تؤكد نظريات علم السياسية ان الرسائل السياسية العميقة لا يصرح بها مباشرة في البلاغات والخطابات الرسمية، فبعضها يُقرأ في تفاصيل تبدو للوهلة الأولى تقنية أو إجرائية و لكن أبعادها تكون أعمق.
من هذه الزاوية يجب قراءة تركيبة اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات استعدادًا للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، والتي خلت من اسمي رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير العدل عبد اللطيف وهبي.
لكن ليس هناك قراءة واحدة لهذا الغياب ، بل قراءات متعددة ، منها من اعتبرت الأمر مجرد إجراء تنظيمي، ومنها من رأت فيه مؤشراً على تحولات داخل مراكز القرار. غير أن القراءة العلمية تقتضي الابتعاد عن الأحكام السريعة، والبحث في المنطق الذي يحكم بناء المؤسسات أكثر من البحث عن الروايات السياسية الجاهزة.
سياسيا ، لا تعتبر الانتخابات مجرد عملية اقتراع، بل هي منظومة متكاملة تبدأ ببناء الثقة بين مكونات العملية الانتخابية قبل يوم الاقتراع، مع الاقتناع ان الثقة لا تُنتجها النصوص القانونية وحدها، بل تصنعها أيضًا الصورة التي تقدمها الدولة عن نفسها باعتبارها ضامنًا للمنافسة، لا طرفًا فيها. ولهذا، فإن تركيبة اللجنة المركزية تبدو منسجمة مع فلسفة دستورية تروم الفصل بين من يدير قواعد اللعبة الديمقراطية ومن يشارك فيها.
وجود وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة داخل اللجنة لا يعكس فقط توزيعًا للاختصاصات، بل يجسد توازنًا بين بعدين أساسيين: البعد الإداري الذي يضمن تنظيم العملية الانتخابية، والبعد القضائي الذي يحميها من أي خرق للقانون. وفي المقابل، فإن غياب رئيس الحكومة لا يرتبط بمكانته داخل الدولة، وإنما بطبيعة موقعه السياسي. فهو، بحكم قيادته لحزب سيخوض الانتخابات، يعد فاعلًا رئيسيًا في التنافس، ومن ثم فإن حضوره داخل هيئة تتولى تتبع نزاهة الانتخابات قد يثير تساؤلات حول تضارب الأدوار، حتى وإن لم تكن للجنة صلاحيات تقريرية في النتائج.
وفي الأنظمة الديمقراطية، لا يكفي أن تكون المؤسسات محايدة، بل يجب أن تبدو كذلك في نظر الرأي العام. فالشرعية السياسية تُبنى على الثقة، والثقة تُبنى على وضوح المسافة بين السلطة المنظمة للمنافسة والفاعلين المتنافسين فيها. ومن هنا يمكن فهم هذا الاختيار باعتباره محاولة لتعزيز تلك المسافة، وليس تعبيرًا عن إضعاف موقع رئيس الحكومة.
الأمر نفسه ينطبق على وزير العدل عبد اللطيف وهبي. فمنذ نقل رئاسة النيابة العامة من السلطة الحكومية إلى مؤسسة مستقلة، تغيرت فلسفة تدبير العدالة في المغرب. لم تعد وزارة العدل هي الجهة التي تشرف على تحريك الدعوى العمومية أو متابعة الجرائم الانتخابية، وأصبح رئيس النيابة العامة هو المسؤول عن هذا الاختصاص. لذلك فإن حضور هذه المؤسسة داخل اللجنة لا يمثل استبعادًا لوزارة العدل، بل هو امتداد طبيعي لمسار دستوري بدأ مع إصلاحات 2011 وترسخ مع استقلال النيابة العامة.
لكن القراءة المؤسساتية وحدها لا تكفي لفهم دلالات هذه التركيبة. فالمغرب يتجه نحو انتخابات تختلف عن سابقاتها من حيث السياق والرهانات. فهذه ليست مجرد محطة لتجديد مجلس النواب، بل انتخابات ستحدد ملامح المرحلة التي تسبق تنظيم كأس العالم 2030، وتواكب تنزيل مشاريع استراتيجية كبرى، وتأتي في ظل التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، وما يرافقها من إعادة تشكيل للخريطة الحزبية، خاصة في الأقاليم الجنوبية. لذلك فإن أي نقاش حول نزاهة الانتخابات أو حياد الدولة لن يكون شأنًا داخليًا فحسب، بل ستكون له أيضًا أصداء خارجية، بالنظر إلى المكانة التي أصبح يحتلها المغرب إقليميًا ودوليًا.
ومن هنا تبدو الرسالة التي تحملها تركيبة اللجنة أكثر عمقًا من مجرد توزيع إداري للمهام. إنها تعكس إرادة في ترسيخ فكرة أن الدولة، كلما اقترب موعد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ينبغي أن تبتعد عن الاصطفافات الحزبية، وأن تتموقع في موقع الضامن لقواعد المنافسة لا المنافس فيها. وهذا التحول لا يخدم فقط صورة المؤسسات، بل يخدم أيضًا الأحزاب نفسها، لأنها ستتنافس في فضاء يشعر الجميع بأنه أكثر توازنًا وعدالة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج لن يقاس بتركيبة اللجنة وحدها، وإنما بقدرتها على فرض احترام القانون على جميع الفاعلين دون استثناء. فالحياد الحقيقي لا يُقاس بالأسماء، وإنما بطريقة التعامل مع المخالفات، وبمدى تكافؤ الفرص بين الأحزاب، وبالسرعة والشفافية في معالجة الطعون والتجاوزات. فإذا تحققت هذه الشروط، ستصبح اللجنة أكثر من مجرد آلية تقنية، وستتحول إلى أحد أعمدة الثقة في المسار الديمقراطي.
إن غياب عزيز أخنوش وعبد اللطيف وهبي عن اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رسالة موجهة إلى أشخاص، بل باعتباره رسالة موجهة إلى المؤسسة الانتخابية نفسها. ومضمون هذه الرسالة واضح: كلما ارتفعت رهانات الانتخابات، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات تقف على المسافة نفسها من جميع المتنافسين. وفي هذا المعنى، لا يكون الابتعاد عن اللجنة تراجعًا في النفوذ، بل مساهمة في تعزيز مصداقية الدولة وهي تستعد لإدارة واحدة من أهم المحطات السياسية في العقد الحالي في سياق وطني يواجه عدة تحديات منها كيفية تنزيل مشروع الحكم الذاتي، وسياق دولي جد معقد ومضطرب،