مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وعودة شبح ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، بدأت الفرضيات التي بني عليها قانون المالية لسنة 2026 تواجه اختبارات قاسية، في ظل واقع اقتصادي دولي سريع التقلب، فكل ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها المغرب، ما يضع التوازنات المالية أمام تحديات متزايدة ويعيد النقاش حول مدى واقعية التقديرات التي اعتمدتها الحكومة عند إعداد الميزانية.
وفي هذا السياق، حذر الخبير في الاقتصاد السياسي و الحكامة محمد حركات من أن التطورات الإقليمية الأخيرة قد تجعل عددا من فرضيات الميزانية خارج السياق الاقتصادي الراهن، داعيا إلى مراجعة شاملة لبعض التقديرات المرتبطة بأسعار الطاقة وكلفة الاستيراد، موضحا أن استمرار الارتفاع في الأسعار العالمية قد يفرض على المغرب اتخاذ إجراءات استباقية لحماية توازناته المالية وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية.
وقدم حركات تشخيصا وصفه بالمقلق للوضع الاقتصادي، وذلك خلال حلوله ضيفا ببرنامج “مع الحدث” الذي تبث حلقاته على “بلبريس”، عبر منصتي اليوتوب والفيسبوك، مشيرا إلى أن الاحتياطات الوطنية تبقى محدودة، ولا تتجاوز في تقديره سقف ثلاثين يوما، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة البلاد على مواجهة صدمات الأسواق الدولية في حال استمرار التوترات.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن إعداد قانون المالية لسنة 2026 اعتمد فرضية سعر مرجعي لبرميل النفط في حدود 65 دولارا، وهو ما اعتبره تقديرا “متفائلا للغاية” مقارنة بالسياق الدولي الذي كان يتسم أصلا بارتفاع منسوب التوترات في المنطقة.
ويرى حركات أن هذه الفرضية كانت تهدف إلى تقليص حجم العجز الظاهر في الميزانية، غير أن التطورات الأخيرة جعلت هذه التقديرات بعيدة عن الواقع الاقتصادي، مشيرا في هذا السياق إلى أن أسعار النفط في الأسواق الدولية تجاوزت حاليا حاجز 100 دولار للبرميل، ما يعني بحسب تقديره، أن الفارق بين الفرضية المعتمدة والسعر الفعلي قد يفرض مراجعة فورية لمقتضيات الميزانية؛ قائلا في هذا الصدد إن “الفرق الكبير بين السعر المفترض والسعر الحقيقي يجعل قانون المالية مطالبا بإعادة التقييم”.
وفي تحليله لتداعيات هذه المتغيرات، قدر حركات أن الفاتورة الإجمالية لاستيراد المواد الأساسية، وعلى رأسها النفط والحبوب والأسمدة، قد تصل إلى نحو 100 مليار درهم، وهو رقم يرى أنه قد يضغط بقوة على التوازنات الماكرو-اقتصادية ويزيد من كلفة الدعم والاستيراد.
كما أثار الخبير الاقتصادي مسألة المخزون الاستراتيجي، معتبرا أن النقاش العمومي حول هذا الملف ما يزال محدودا، مشددا على ضرورة توفير معطيات دقيقة وشفافة بشأن حجم الاحتياطات الوطنية من الطاقة والمواد الأساسية، خاصة في ظل سياق دولي يتسم بقدر كبير من عدم اليقين.
وتعيد هذه التحذيرات تسليط الضوء على هشاشة الاقتصادات المستوردة للطاقة أمام تقلبات الأسواق العالمية، حيث يجد المغرب نفسه، مثل عدد من الدول، أمام معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على التوازنات المالية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.