تثير مسألة الأداء الرقابي لنواب الأمة تساؤلات حارقة مع نهاية كل دورة تشريعية، وحول مدى التزام ممثلي الشعب بالدفاع عن قضايا المواطنين وصياغة السياسات العمومية عبر الآليات الدستورية المتاحة.
وفي هذا الصدد، يكشف جرد إحصائي دقيق وتفصيلي استند بالكامل إلى تحليل محاضر الجلسات الشفوية الأسبوعية لمجلس النواب، عن حقائق رقمية صادمة تضع المشهد البرلماني أمام مرآة كاشفة لتفاوتات بنيوية عميقة في توزيع الكلمة والأداء الرقابي.
أرقام واحتكار
وتفيد الأرقام الرسمية المستخلصة من محاضر مجلس النواب أن إجمالي التدخلات خلال الفترة المرصودة بلغ عشرة آلاف ومائة وأربعة وستين (10.164)تدخلاً برلمانياً.
غير أن النظرة الفاحصة لبنية هذا الرقم تكشف عن تركيز شديد وحاد في احتكار الكلمة؛ حيث نجح عشرة نواب فقط في الاستحواذ على عشرة ونصف بالمائة 10.5% من مجموع التدخلات الكلية داخل الجلسات الأسبوعية.
هيمنة الأقلية
ولا تقتصر هذه الهيمنة على “العشرة الكبار”، بل تمتد لتشمل قائمة الخمسين نائباً الأوائل الذين احتكروا ما نسبته ثلاثة وثلاثون وسبعة أعشار بالمائة(33.7%)، أي أكثر من ثلث النشاط البرلماني الشفوي بأكمله.
وفي المقابل، عجز النصف الأقل نشاطاً من أعضاء المجلس مجتمعين عن تجاوز عتبة اثنين وعشرين وثلاثة أعشار بالمائة(22.3%) من إجمالي التدخلات، ما يترجم بوضوح وجود أزمة حركية لدى شريحة واسعة من النواب المفترض فيهم تمثيل دوائرهم الانتخابية بنشاط مستمر.
فرسان المنصة
وقد تصدّر النائب إدريس السنتيسي عن الفريق الحركي قائمة البرلمانيين الأكثر تدخلا وتحدثا بفارق شاسع جدا عن أقرب منافسيه، مسجلا مائتين وسبعة وعشرين تدخلاً.
وحلّ في المرتبة الثانية النائب نور الدين الهروشي عن الاتحاد الدستوري بمائة واثني عشر تدخلاً، يليه رشيد حموني رئيس فريق التقدم والاشتراكية في المرتبة الثالثة بـ103 تدخلات، ثم سعيد بعزيز عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ100تدخل.
حضور لافت
وفي رصد لافت للتمثيلية النسائية داخل نادي الكبار، برزت النائبة وسيلة الساحلي عن الاتحاد الدستوري كأكثر برلمانية نشاطاً بحلولها في المرتبة السابعة بـ86 تدخلاً، مناصفة مع النائب عبد الله بوانو عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية الذي سجل بدوره 86 تدخلاً.
تلاهم محمد هيشامي من الحركة الشعبية بـ83 تدخلا، ثم عبد الرحيم واعمرو عن فريق الأصالة والمعاصرة بـ81 تدخلاً.
ظاهرة الصمت المطبق
وفي مقابل هذه الحركية، يكشف الجانب المقلق للتقرير الإحصائي عن حجم الخمول والعطالة الرقابية التي تبصم عليها فئات عريضة من النواب.
إذ تُظهر وثائق الجرد الرسمي لمجلس النواب أن هناك 41 نائباً برلمانياً فضّلوا الصمت المطبق طوال الجلسات دون تسجيل أي تدخل أو نطق بكلمة واحدة.
نشاط باهت
ويضاف إلى هؤلاء 51 نائبا آخرين غابوا كليا عن توجيه أي سؤال شفوي للمسؤولين الحكوميين طيلة المدة المرصودة.
وتتوالى الأرقام المقلقة لتكشف أن 43 نائبا لم تتعد حصيلة مساهماتهم الشفوية 5 تدخلات يتيمة، بينما لم يتجاوز سقف حضور 77 نائبا حاجز العشرة تدخلات.
حضور سلبي
وتكتمل هذه المفارقة حين نجد أن الغالبية العظمى تكتفي بالحضور السلبي.
وفي غضون ذلك، لم يتجاوز عدد النواب النشطين الذين سجلوا خمسين تدخلا أو أكثر عتبة 49 نائبا فقط من أصل 395 عضوا يتألف منهم مجلس النواب.
أزمة تكوين ومبادرة
وتفتح هذه التفاوتات الصارخة بين أقلية نشطة وأغلبية صامتة وخاملة الباب على مصراعيه لتفسيرات سياسية متعددة.
ويرى متتبعون للشأن البرلماني أن أسباب هذه العطالة قد تعود جزئياً إلى ضعف المبادرة والتكوين لدى عدد من النواب الجدد أو ممثلي الدوائر البعيدة.
وينحصر دور هؤلاء غالباً في عملية التصويت كأرقام عددية لصالح فرقهم دون القدرة على مجابهة الوزراء في أسئلة شفوية تتطلب إلماماً كبيراً بالملفات التقنية والسياسية.
قيود النظام الداخلي
من جانب آخر، يُحمّل البعض المسؤولية للنظام الداخلي لمجلس النواب ومبدأ التمثيل النسبي للفرق في توزيع الحصص الزمنية.
حيث يمنح هذا القانون الأغلبية الزمنية للفرق البرلمانية الكبرى ورؤسائها، مما يجعل الفرص المتاحة للنواب المستقلين أو ممثلي المجموعات الصغرى ضيقة جداً ومحكومة بالقصور القسري، لتتحول مقاعدهم تدريجياً إلى كراسٍ لإنتاج الصمت الحزبي المطبق.