صراع الجنرالات يفضح هشاشة النظام ويهز قصر المرادية بقوة

لم تعد الخلافات داخل دوائر الحكم في الجزائر مجرد تسريبات متفرقة أو قراءات سياسية متباينة، بل تحولت إلى صراع مفتوح يكشف حجم التصدعات التي تنخر بنية النظام السياسي والعسكري في البلاد. فمع كل تطور جديد في ملف المدير العام الأسبق للأمن الوطني، فريد بن شيخ، تتكشف ملامح مواجهة محتدمة بين محيط الرئيس عبد المجيد تبون وقيادة الجيش، في مشهد يعكس احتدام معركة النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

ويبدو أن قضية بن شيخ تجاوزت منذ مدة حدود المتابعة القضائية العادية، لتتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين مراكز القوة المتنافسة. فالرجل الذي انتقل من موقع المسؤول النافذ إلى زنزانة السجن في ظرف وجيز، أصبح اليوم عنوانا لأزمة أعمق تتعلق بإعادة رسم موازين السلطة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن التأجيل المتكرر لمحاكمته لا يرتبط فقط بإجراءات قانونية، بل يعكس حجم التجاذب القائم حول تداعيات الملف والأسماء التي قد يطالها. فكلما اقترب موعد الحسم، تصاعدت المخاوف داخل أجنحة السلطة من أن تتحول جلسات المحكمة إلى منصة لكشف تفاصيل صراعات ظلت لسنوات تدار خلف الأبواب المغلقة.

وفي خضم هذه التطورات، برز اسم مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام باعتباره أحد أكثر المتضررين من مآلات القضية. فاختفاؤه المفاجئ عن الواجهة السياسية خلال الأسابيع الأخيرة غذى تكهنات واسعة بشأن تعرضه لضغوط قوية من المؤسسة العسكرية، خاصة بعدما ارتبط اسمه بمحاولات التأثير على مسار الملف القضائي الخاص ببن شيخ.

وتذهب بعض القراءات إلى أن الجنرالات لم يعودوا يكتفون بملاحقة المقربين من الرئاسة، بل باتوا يتحركون لإضعاف الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس نفسه، في خطوة يرى متابعون أنها تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة التقليدية للمؤسسة العسكرية على القرار السياسي.

وزادت موجة الإقالات التي ضربت أجهزة الاستخبارات خلال الأسابيع الماضية من حدة هذه المؤشرات، حيث اعتبرها مراقبون دليلا على وجود عملية إعادة ترتيب واسعة داخل مراكز النفوذ، وسط تصاعد الشكوك بشأن وجود صراع غير مسبوق بين أقطاب النظام.

كما أعاد الجدل الذي رافق المراسيم الرئاسية الخاصة بإعفاء عدد من المستشارين إلى الواجهة أسئلة محرجة حول من يتحكم فعليا في مفاصل الدولة. فالتناقض بين ما نُشر رسميا وما صدر لاحقا من بيانات نفي، كشف حالة ارتباك غير مألوفة داخل مؤسسات يفترض أنها تتحدث بصوت واحد.

ولا تنفصل هذه التطورات عن الخلافات التي برزت سابقا بشأن مشاريع تعديل الدستور وإمكانية فتح الباب أمام تمديد بقاء الرئيس في السلطة. فقد أظهرت تلك الأزمة أن أي محاولة لإعادة هندسة قواعد الحكم تصطدم مباشرة بمواقف المؤسسة العسكرية، التي ما زالت تعتبر نفسها صاحبة الكلمة الفصل في الملفات الاستراتيجية.

ومع استمرار الغموض المحيط بمصير أبرز رجالات الرئاسة، وتزايد المؤشرات على اتساع دائرة الاستهداف داخل محيط تبون، يبدو أن الجزائر مقبلة على مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الأبرز صراع الأجنحة داخل النظام نفسه. وهو صراع لم يعد بالإمكان إخفاؤه خلف الشعارات الرسمية، بعدما أصبحت ارتداداته تظهر تباعا في الإقالات والمحاكمات وحروب النفوذ التي تهز أركان السلطة من الداخل.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *