تكشف الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليوز الجاري عن تحول جديد في مسار العلاقات بين البلدين، بعدما انتقلت الجزائر من مرحلة التصعيد الدبلوماسي والقطيعة إلى البحث عن إعادة تطبيع العلاقات مع مدريد، رغم تمسك الأخيرة بموقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء.
وتحمل هذه الزيارة دلالات سياسية تتجاوز بعدها الثنائي، إذ تأتي في وقت تواجه فيه الجزائر ضغوطا متزايدة بسبب اتساع دائرة الاعتراف الدولي بوجاهة المقترح المغربي، مقابل تراجع واضح للأطروحة الانفصالية التي تروج لها جبهة البوليساريو. ويعتبر متابعون أن القيادة الجزائرية تجد نفسها أمام واقع إقليمي ودولي جديد، فرضته التحولات الدبلوماسية المتسارعة، وجعل هامش المناورة في ملف الصحراء أكثر ضيقا من أي وقت مضى.
وكانت الأزمة بين مدريد والجزائر قد انفجرت في مارس 2022 مباشرة بعد إعلان إسبانيا دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، وهو الموقف الذي دفع الجزائر إلى تعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة سنة 2002، كما سحبت سفيرها ورفعت منسوب التوتر السياسي والاقتصادي مع الجانب الإسباني، معتبرة آنذاك أن مدريد تخلت عن ما وصفته بالتزاماتها السابقة.
غير أن الأشهر الأخيرة عكست تغيرا لافتا في السلوك الجزائري، بعدما سبقت زيارة سانشيز سلسلة من الاتصالات السياسية، أبرزها استقبال الرئيس عبد المجيد تبون لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في الجزائر العاصمة خلال شهر مارس الماضي، قبل أن تعلن الجزائر إعادة العمل بمعاهدة الصداقة، في خطوة فسرت على أنها محاولة لإعادة بناء الجسور مع مدريد بعد مرحلة من القطيعة.
كما كانت الجزائر قد عينت منذ نهاية سنة 2023 سفيرا جديدا في إسبانيا، منهية فراغا دبلوماسيا دام 17 شهرا، في مؤشر على رغبتها في استعادة قنوات التواصل، غير أن المصادر الإسبانية شددت في أكثر من مناسبة على أن هذا التقارب لا يعني إطلاقا أي تعديل في موقف مدريد من قضية الصحراء، بل إن دعم الحكم الذاتي المغربي يظل خيارا استراتيجيا ثابتا في السياسة الخارجية الإسبانية.
ويرى مراقبون أن السلطات الجزائرية باتت مضطرة إلى الفصل بين خلافها السياسي حول الصحراء ومصالحها الاقتصادية مع إسبانيا، خاصة في ظل الحاجة إلى الحفاظ على الشراكات التجارية وملفات الطاقة، بعدما أثبتت سياسة التصعيد أنها لم تنجح في دفع مدريد إلى التراجع عن موقفها.
وتعكس هذه التطورات، بحسب متابعين، حالة العزلة الإقليمية التي تواجهها الجزائر في تدبير ملف الصحراء، بعدما اتجهت قوى دولية وإقليمية مؤثرة إلى دعم المبادرة المغربية، وهو ما أدى إلى تراجع الزخم الذي كانت تراهن عليه جبهة البوليساريو. ويعتبر هؤلاء أن المشروع الانفصالي يعيش مرحلة جمود غير مسبوقة، مع تقلص التأييد السياسي والدبلوماسي له، مقابل تنامي القناعة الدولية بأن الحل الواقعي يمر عبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وفي هذا السياق، تبدو زيارة سانشيز إلى الجزائر موجهة أساسا لإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، دون أن تحمل أي مؤشرات على تغيير الموقف الإسباني من النزاع، وهو ما يضع الجزائر أمام معادلة معقدة عنوانها استئناف العلاقات مع مدريد مع القبول الضمني بأن الرهان على تغيير موقفها من قضية الصحراء لم يعد مطروحا، في وقت يواصل فيه الدعم الدولي للموقف المغربي التوسع، بينما تقترب الأطروحة الانفصالية من مرحلة يصفها عدد من المراقبين بالموت السريري على المستوى الدبلوماسي.