تضع انتخابات 2026 المغرب أمام سؤال رئيسي كبير، يتجاوز مجرد التنافس على المقاعد، بل يصل إلى حد التساؤل حول طبيعة الانتخابات، هل هي صراع حقيقي بين مشاريع حزبية وبرامج لخدمة الوطن والمواطن، أم أنها صراع مصالح ونفوذ تحكمه القدرة على استقطاب الأعيان وأصحاب المال.
يمكن القول إنه حين تتراجع قوة المشروع المجتمعي للأحزاب، وتضعف واقعية البرامج، ويصبح معيار المرشح القادر على الفوز أقوى من معيار الكفاءة والنزاهة والالتزام الحزبي، فإن الإشكال لا يعود انتخابياً فقط، بل يصبح مرتبطا بسلامة الديمقراطية نفسها وبطبيعة النخب التي ستصنع القرار السياسي مستقبلاً.
وهذا يدفعنا إلى الحديث عن مصداقية العرض السياسي للأحزاب، فلا يكفي أن يكون الصندوق نزيهاً، بل يجب أن تكون الخيارات المعروضة على الناخب جديرة بالثقة، ومبنية على البرامج لا المصالح.
لكن واقع المشهد السياسي المغربي، للأسف عرف تطورا سلبيا، ففي كل استحقاق يتحقق تراجع واضح في ابتعاد الانتخابات من البحث عن برامج حزبية تعكس مشاريعها المجتمعية ونظرتها للنموذج الاقتصادي وللعدالة الاجتماعية وللمدرسة العمومية وللصحة وللسياسة الجبائية والعدالة المجالية وللحريات وللهوية والثقافة وللعديد من المجالات الاستراتيجية التي تهم المواطن.
وفي مقابل هذا التحول وهذا التطور، تكبر المسافات ويبرز تغول أصحاب المال والنفوذ وشراء الأصوات وتتحول الانتخابات من البحث عن البرامج التي تؤمن مستقبل المواطنين إلى البحث عن المصالح التي تخدم أصحاب المال والجاه.
ومن نتائج هذا الوضع، أصبحت التزكيات تعطى أساساً لمن يمتلك الموارد والشبكات الانتخابية، وأصبحت البرامج غير ذي أهمية، مما أدى إلى جعلها متشابهة أو ضعيفة التمايز، وأصبحت الكفاءة الفكرية والسياسية أقل وزناً من القدرة على تعبئة الأصوات، حيث أصبحت الانتخابات عبارة عن صراع مصالح وليس صراع مشاريع.
فالمرشح الذي يدخل السياسة باعتبارها امتداداً لنفوذه الاقتصادي أو الاجتماعي قد ينظر إلى الموقع الانتخابي باعتباره مورداً إضافياً للقوة ولا شيء آخر.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فحين يفقد المناضل الثقة في الحزب، ويغادر المثقف المجال السياسي، وتتراجع جاذبية التنظيم أمام الكفاءات، يصبح الفراغ جاهزاً لأن تملأه القوة المالية والزبونية والولاءات الشخصية.
وبمرور الوقت يتحول الحزب من مؤسسة لإنتاج السياسة إلى آلة انتخابية موسمية.
وهذه واحدة من أخطر علامات تراجع الحياة الديمقراطية.
من نافلة القول، نحن أمام واقع سياسي تتوزع مسؤولياته بين عدة أطراف وعدة فاعلين، ينعكس على منظومة الديمقراطية برمتها ومن ضمنها العملية الانتخابية التي انحرفت عن سكتها الطبيعية. وتتجلى هذه المسؤوليات في:
أولاً: مسؤولية الأحزاب من خلال ضعف الديمقراطية الداخلية وضعف إنتاج النخب.
ثانياً: مسؤولية المنظومة الانتخابية من خلال إنتاج قوانين انتخابية لا تساعد على إنتاج أحزاب قوية، وعلى إنتاج منافسة شريفة تعتمد على البرامج وعلى المشاريع المجتمعية.
ثالثاً: مسؤولية الناخب من خلال تصويت جزء من الناخبين بناء على القرابة، أو المصلحة المباشرة، أو الخدمة الشخصية، أو الاعتبارات المادية بدل تقييم البرامج والكفاءة.
من دون شك، يعيش المغرب مرحلة دقيقة، يعرف فيها تحديات اقتصادية واجتماعية واستراتيجية عميقة: التشغيل، المدرسة، الصحة، الماء، الحماية الاجتماعية، إصلاح أنظمة التقاعد، الاستثمار، تنافسية الاقتصاد، العدالة المجالية، التحولات التكنولوجية، وتطلعات جيل جديد أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر مطالبة بالكرامة والفرص.
هذه الملفات لا يمكن أن تديرها السياسة بمنطق التدبير الانتخابي القصير.
إنها تحتاج إلى نخب دولة، وأحزاب أفكار، ومؤسسات قادرة على الاستشراف، وبرامج مبنية على المعرفة والخبرة.
وإذا أنتجت الانتخابات مجالس قوية انتخابياً لكنها ضعيفة فكرياً وسياسياً، فإن الأزمة ستظهر لاحقاً في جودة التشريع والرقابة والسياسات العمومية.
ومن هنا فإن جودة البرلمان تبدأ قبل دخول النواب إليه. تبدأ عند لحظة اختيار المرشحين.
إن المعركة الحقيقية ليست بين حزب وآخر فقط. بل بين منطقين في ممارسة السياسة:
منطق يعتبر الانتخابات سوقاً للأصوات والمقاعد والنفوذ،
ومنطق يعتبرها عقداً ديمقراطياً لتحديد اتجاه الدولة والمجتمع لخمس سنوات مقبلة.
إنه سؤال يجب أن يوجه إلى الأحزاب قبل الناخبين:
قدموا مشاريعكم قبل مرشحيكم.
واختاروا من يستطيع تمثيل الوطن، لا فقط من يستطيع الفوز بالمقعد.
ويوجه إلى الدولة والمؤسسات:
حصّنوا المنافسة من تغول المال وتضارب المصالح وكل ما يفرغ الإرادة الانتخابية من مضمونها.
ثم يوجه قبل الجميع إلى المواطن:
لا تمنح صوتك لمن يطلبه منك فقط، بل لمن يقدم لك سبباً عقلانياً وسياسياً وأخلاقياً لتمنحه إياه.
لأن مستقبل الديمقراطية لا تحدده نتيجة ليلة الاقتراع فقط، وإنما تحدده جودة الأصوات الحرة التي صنعت تلك النتيجة.
بقلم د خالد الطرابلسي
فاعل وباحث سياسي