تحليل : عودة حميد شباط.. بين ترتيب الأوراق واستنساخ التجارب

في مشهد سياسي يعرف تحولات متسارعة، يبدو أن قانون الجاذبية السياسية ما زال يسحب القيادات المخضرمة نحو حلبة الانتخابات، رغم محاولات الإقصاء والإخفاقات المتتالية، ولاسيما مع اقتراب الانتخابات التي ستقام في شهر شتنبر 2026، وستعرف تنافسا قويا، وهو ما كشفت عنه الحملات الانتخابية السابقة لأوانها التي يقودها زعماء الأحزاب السياسية.

فحميد شباط، الأمين العام السابق لحزب الاستقلال وعمدة فاس الأسبق، يعيد ترتيب أوراقه من بعيد، ليس عبر بوابة مباشرة، بل بدعم مسار ابنته البرلمانية ريم شباط، مع عدم استبعاد عودته الشخصية إلى صناديق الاقتراع بعد عام من الآن.

وتكشف المعطيات المتوفرة لـ”بلبريس” أن شباط يسعى حالياً إلى التنسيق مع قيادات بارزة، بهدف تأمين خوض ابنته غمار الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، حيث من المنتظر أن تترشح باسم الحركة الشعبية في دائرة فاس الشمالية، بعدما كانت دخلت البرلمان سابقاً تحت لواء حزب جبهة القوى الديمقراطية. لكن المفارقة أن الرجل الذي قاد حزب الاستقلال سنوات طويلة، يراهن في الوقت نفسه على خوض الانتخابات الجماعية المزمع إجراؤها سنة 2027، بطموح إنهاء مسيرته من حيث بدأها، على رأس المجلس الجماعي لمدينة فاس.

ما يثير التأمل حسب مصادر لـ”بلبريس” في هذه العودة المرتقبة، سياقها المليء بالإخفاقات والإقصاءات.

فشباط، الذي فاز في انتخابات 2021 باسم جبهة القوى الديمقراطية، واجه قراراً بالطرد بسبب خلافات مع الأمين العام مصطفى بنعلي، ثم قضت المحكمة الإدارية لفاس بقانونية إقالته من عضوية المجلس الجماعي، رفقة زوجته، بسبب الغياب المتكرر.

كما فشلت محاولته العودة إلى أحضان حزب الاستقلال، بعد أن رفض الأمين العام الحالي نزار بركة منحه التزكية، ما اضطره هو وأنصاره إلى الانخراط في حزب “الزيتونة”، قبل أن تتحول ابنته إلى الحركة الشعبية.

فعودة القيادات السابقة إلى المشهد، كما تجسدها حالة شباط، يكشف عن ثلاثة مستويات متداخلة.

الأول: أزمة التجديد داخل الأحزاب، حيث يجد القادة التاريخيون أنفسهم خارج المنظومة، فيلجأون إلى استنساخ تجربتهم عبر الأبناء، وكأن المشوار السياسي أصبح شأناً عائلياً.

الثاني: هشاشة الولاءات الحزبية، إذ يتنقل شباط وابنته بين جبهة القوى الديمقراطية والحركة الشعبية، بعدما كانا في حزب الاستقلال والزيتونة، وهو ما يعكس أزمة هوية حزبية حادة.

الثالث: مفارقة أن القيادة التي أقصيت بسبب الغياب المتكرر، تعود بخطاب الحضور والاستمرارية، ما يطرح أسئلة حول مدى قدرة هذه العودة على تقديم إضافة نوعية، أم أنها مجرد محاولة لإنعاش ذاكرة انتخابية بدأت تبهت.

ويحسب عدد من المتتبعين أن مهمة ريم شباط لن تكون سهلة، فرغم حضورها القوي على منصات التواصل الاجتماعي، والأسئلة البرلمانية المحرجة التي توجهها للحكومة، وإشعاع والدها السياسي، إلا أن المنافسة في دائرة فاس الشمالية تظل مفتوحة، خصوصا أن شباط الأب سبق أن رأى حلمه في العودة إلى رئاسة جماعة فاس يتبخر أمام تحالف رباعي قاده التجمع الوطني للأحرار، وضم حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة.

وتتساءل مصادر، هل تمثل هذه العودة، عبر بوابة الأبناء أو من خلال الترشح المباشر، مؤشراً على فشل الأحزاب في استقطاب دماء جديدة؟ أم أنها تعبير عن حنين نخبوي لزمن سياسي ولى، يحاول استعادة مجده عبر استنساخ الأدوار؟ الرجل الذي لم يهن أبداً، كما يحلو لمقربيه وصفه، يعد العدة الآن لمفترق طرق جديد، قد يكون الأخير في مسيرته. فإما أن ينجح في العودة من بوابة ابنته ثم من بابه هو نفسه، أو يطوى نهائياً فصل من أكثر الفصول إثارة في السياسة المغربية الحديثة. وفي كلتا الحالتين، تبقى هذه المحاولات دليلاً على أن السياسة في المغرب، رغم كل تحولاتها، ما زالت تعاني من عجزها عن تجاوز سطوة القيادات التاريخية، حتى حين تحاول التخلص منها.

 

وحاولت “بلبريس” الاتصال بحميد شباط أكثر من مرة إلا أن هاتفه غير مشغل.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *