في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، عاد الجدل حول دور المؤسسات العربية المشتركة وقدرتها على مواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وبين تصاعد الصراعات الإقليمية وتعقد موازين القوى في الشرق الأوسط، يطرح عدد من الباحثين والمحللين تساؤلات عميقة حول فعالية النظام العربي الرسمي وحدود تأثيره في إدارة الأزمات التي تمس الأمن القومي العربي.
وفي هذا السياق، أثار المحلل السياسي الدكتور ميلود بلقاضي نقاشا لافتا بعد انتقاده الحاد لمخرجات الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، معتبرا أن البيان الختامي لم يرق إلى مستوى خطورة المرحلة، واصفا مضمون البيان بـ“البئيس”، متسائلا عن جدوى مؤسسة إقليمية تعجز عن تفعيل مواثيقها في لحظات مفصلية تعيش فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها توترا وتعقيدا.
وفي قراءة نقدية اتسمت بالصراحة والجرأة الأكاديمية، وجه الدكتور بلقاضي انتقادا لاذعا على طريقة تعاطي الجامعة العربية مع التطورات الجارية، وذلك في معرض إدارته لحوار برنامج “مع الحدث” الذي تبثه “بلبريس” عبر منصتي اليوتوب والفيسبوك، معتبرا أن البيان الصادر عقب الاجتماع الطارئ اكتفى بلغة دبلوماسية عامة لا تعكس حجم التحديات التي تواجه العالم العربي.
واستحضر المحلل السياسي بنود ميثاق الجامعة العربية التي تأسست على مبدأ “الدفاع العربي المشترك”، متسائلا بلهجة استنكارية: كيف يمكن لمؤسسة ينص ميثاقها على هذا المبدأ أن تكتفي ببيان يندد بإيران وإسرائيل على حد سواء بأسلوب متوازن؟ معتبرا أن هذا النوع من “التوازن” يطرح مفارقة لافتة في سياق يتطلب وضوحا في المواقف لا الاكتفاء بعبارات دبلوماسية عامة.
ويرى بلقاضي أن هذا الأسلوب في صياغة البيانات يعكس ما وصفه لغة الخشب التي باتت تطبع مخرجات العديد من الاجتماعات العربية، حيث يتم اللجوء إلى عبارات إنشائية تحاول إرضاء مختلف الأطراف دون تقديم مواقف سياسية حاسمة تتناسب مع حجم التحديات الأمنية والاستراتيجية التي تواجه المنطقة.
ولم يكتف الدكتور بلقاضي بالتحليل السياسي، بل نقل أيضا تساؤلات الشارع العربي بشأن جدوى استمرار مؤسسات إقليمية لا تنعكس قراراتها عمليا على الواقع، مشيرا إلى أن المواطن العربي بات يتساءل بجدية عن دور الجامعة العربية في ظل تكرار البيانات التي تندد بالأزمات دون أن تقترن بآليات فعلية للتدخل أو التأثير في مسار الأحداث.
واعتبر الدكتور ميلود بلقاضي، أن البيانات الصادرة في مثل هذه الظروف الحاسمة تتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد إنشاء لغوي لا يسمن ولا يغني من جوع، مؤكدا أن استمرار هذا النهج يساهم في توسيع الفجوة بين المؤسسات العربية الرسمية وتطلعات الشعوب التي تنتظر مواقف أكثر وضوحا وصلابة في الدفاع عن الأمن القومي العربي.
وخلص بلقاضي تصريحه بطرح سؤال وصفه بـ“المفارقة العجيبة”: كيف تحولت منظمة إقليمية كان يفترض أن تشكل إطارا للتكامل والقوة العربية المشتركة إلى منصة لإصدار بيانات متوازنة في لحظات تتطلب قرارات حاسمة؟ محذرا من أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة لا تترك مجالا للكيانات التي تكتفي بالمراقبة وإصدار البيانات بينما يعاد رسم خرائط النفوذ الإقليمي فوق رؤوس العرب.