حامي الدين:اجتهاد المحكمة الدستورية مرجع في ترسيخ استقلال الإعلام

حسمت المحكمة الدستورية الجدل القانوني والسياسي المثار حول مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعد أن قضت بعدم دستورية خمس مواد مركزية منه، على رأسها المقتضيات المرتبطة بتوزيع مقاعد المجلس، وضمان التعددية داخل فئة الناشرين، وحياد المسطرة التأديبية، إضافة إلى مقتضيات تتعلق بالانسجام التشريعي ومقاربة النوع.

وهو القرار الذي أعاد التأكيد على أن تنظيم قطاع الصحافة لا يمكن أن يتم خارج الضوابط الدستورية المؤطرة للتنظيم الذاتي، وفي مقدمتها الاستقلال والديمقراطية والتوازن التمثيلي.

وجاء هذا القرار عقب إحالة من مجلس النواب، طعنا في دستورية عدد من مواد المشروع بدعوى مساسها بجوهر التنظيم الذاتي للصحافة وإخلالها بمبادئ دستورية أساسية، خاصة الفصول 6 و8 و28 و118 و120 من الدستور.

وقد اعتبرت المحكمة أن بعض الاختيارات التشريعية، رغم مشروعيتها الظاهرية، تفضي عمليا إلى اختلالات بنيوية تمس مبدأ المساواة، والتعددية، وضمانات المحاكمة العادلة، وتفتح الباب أمام احتكار تمثيلي وهيمنة مؤسسية داخل هيئة يفترض أن تجسد التعدد والاستقلال.

وفي هذا السياق، قال عبد العالي حامي الدين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، في تصريح خص به بلبريس، إن قرار المحكمة الدستورية المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة “يكتسي أهمية خاصة، لأنه توفق في رسم الحدود أمام السلطة التقديرية للسلطة التشريعية”، موضحا أن المحكمة أكدت أن تنظيم قطاع الصحافة “لا يدخل ضمن مجال الاختيار التشريعي الحر، بل يظل مقيدا باحترام المبادئ الدستورية المؤطرة للتنظيم الذاتي، وفي مقدمتها الاستقلال، والديمقراطية، والتوازن التمثيلي، بما يجعل أي انحراف عنها موجبا للرقابة الدستورية”.

وأضاف حامي الدين أن المحكمة “قضت بعدم دستورية اختلال التوازن التمثيلي (المادة 5 – البند ب)، كما انتصرت لمبدأ التعددية ورفضت الاحتكار التمثيلي (المادة 49)”، معتبرا أن هذه الأخيرة من “أقوى فقرات القرار”، حيث رأت المحكمة أن منح منظمة مهنية واحدة جميع مقاعد الناشرين بناء فقط على معيار الحصص التمثيلية أو عدد المستخدمين “يشكل خرقا مباشرا للفصل الثامن من الدستور، الذي يكرس التعددية وحرية التنظيم المهني بصيغة الجمع لا المفرد”.

وتابع المتحدث أن تصريح المحكمة بعدم دستورية المادة 93 “انتصار صريح لمبدأ الحياد وضمانات المحاكمة العادلة”، مبرزا أن هذا التوجه يعكس توسيع نطاق مبدأ الحياد ليشمل الهيئات المهنية التأديبية، وليس فقط القضاء.

كما سجل أن المحكمة أثارت من تلقاء نفسها عدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 4 والفقرة الأولى من المادة 57، وهو ما اعتبره “انتصارا للأمن القانوني والانسجام التشريعي”، مؤكدا أن الأمن القانوني بات “معيارا دستوريا صريحا أو مبدأ ذا قيمة دستورية”.

وأوضح حامي الدين أن فرض نتائج قانونية، كالمناصفة أو اختلاف الجنس في رئاسة المجلس ونائبته، “دون توفير شروطها الإجرائية والتنظيمية، يعد إخلالا بمبدأ الانسجام الداخلي للنص التشريعي”، مشددا على أن “النية الحسنة للمشرع لا تعفيه من احترام المبادئ الدستورية”.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن هذا القرار “يبرز مركزية المبادئ الدستورية المنظمة للقطاع الإعلامي، ويؤكد أن فعالية التنظيم الذاتي لا تقاس فقط بوجود نص قانوني، بل بمدى احترامه لجوهر هذه المبادئ وقدرته على حماية حرية الصحافة من أي هيمنة مؤسسية أو اقتصادية”، معتبرا أن القرار يشكل اجتهادا مرجعيا في ترسيخ دولة القانون وضمان استقلال الإعلام في إطار الدستور.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *