تعتبر الانتخابات إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الممارسة السياسية الحديثة، إذ غالبا ما يتم تقديمها باعتبارها الآلية الأنجع لضمان مشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام، وتمكينهم من التعبير عن إرادتهم السياسية عبر اختيار ممثليهم داخل المؤسسات المنتخبة. ويفترض في هذا الإطار أن تشكل الانتخابات قناة أساسية للربط بين المجتمع والدولة، وأن تساهم في إنتاج نخب سياسية قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين والتأثير في السياسات العمومية.
غير أن هذا التصور المعياري للانتخابات، الذي يربطها بشكل تلقائي بالديمقراطية والمشاركة والتمثيل، لا يعكس بالضرورة واقع الممارسة السياسية في مختلف السياقات، فاختلاف طبيعة الأنظمة السياسية، وتباين درجات الانفتاح السياسي، وتعدد أنماط الحكم، كلها عوامل تجعل من الانتخابات آلية متعددة الوظائف، لا تؤدي دائما نفس الأدوار، ولا تفضي بالضرورة إلى نفس النتائج.
وفي ظل هذا التباين، يبرز تساؤل مركزي حول الدور الفعلي للانتخابات: هل تشكل الانتخابات بالفعل وسيلة حقيقية لتمثيل إرادة المواطنين وتعزيز مشاركتهم السياسية؟ أم أنها، في بعض السياقات، تتحول إلى مجرد إجراء مؤسساتي يستخدم لتدبير المجال السياسي وإعادة إنتاج نفس البُنى القائمة، دون إحداث تأثير حقيقي في طبيعة السلطة أو في القرار العمومي؟
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة سلوى الزرهوني، أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق السويسي، في تصريح لها “لبلبريس” أن الانتخابات ترتبط ارتباطا وثيقا بمفهومي المشاركة السياسية والتمثيل السياسي، غير أن التعامل معها باعتبارها مؤشرا آليا على الديمقراطية يظل طرحا تبسيطيا لا يستحضر تعقيد السياقات السياسية، موضحة أن النقاش الجوهري لا ينبغي أن ينصب فقط على تنظيم الانتخابات أو انتظامها، بل على وظائفها السياسية الحقيقية، وعلى مدى قدرتها على تمكين المواطنين من المشاركة الفعلية في انتقاء النخب، والتأثير في توجهات السياسات العمومية.
وأبرزت الزرهوني أن التحليل الأكاديمي لأدوار الانتخابات مر بعدة مراحل نظرية فخلال سنوات التسعينيات، ومع ما عرف بموجة الانتقال الديمقراطي، ركزت العديد من الدراسات على الانتخابات باعتبارها آلية مركزية في مسارات الدمقرطة، وافترضت أن تنظيم انتخابات تعددية سيقود بالضرورة إلى ترسيخ الديمقراطية غير أن خلاصات هذه الأدبيات كشفت أن الانتخابات، في سياقات الانتقال، لم تفض دائما إلى بناء أنظمة ديمقراطية مستقرة، بل أسفرت في حالات كثيرة عن أنماط سياسية هجينة، تجمع بين مظاهر ديمقراطية شكلية وممارسات سلطوية مستمرة.
وأضافت المتحدثة أن هذه الخلاصات دفعت الباحثين، ابتداء من سنة 2000، إلى إعادة النظر في المقاربة التقليدية للانتخابات، خصوصا داخل الأدبيات الأنجلوساكسونية، التي انتقلت إلى تحليل أدوار الانتخابات في الأنظمة السلطوية والأنظمة الهجينة، وهي أنظمة اعتمدت آليات انتخابية دورية، وسمحت بهوامش من التعددية السياسية، دون أن تنجح في إحداث انتقال ديمقراطي فعلي أو تداول حقيقي على السلطة.
وبحسب الزرهوني، فإن هذه الدراسات أبرزت أن الانتخابات في الأنظمة غير الديمقراطية تؤدي وظائف مختلفة جذريا عن تلك التي تؤديها في الأنظمة الديمقراطية، ففي هذا السياق، لا تستخدم الانتخابات أساسا كآلية للمحاسبة أو التداول على السلطة، بل توظف لإضفاء الشرعية السياسية على الأنظمة القائمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، من خلال إظهار الالتزام الشكلي بقواعد التعددية والتمثيل.
وأضافت أن من بين الأدوار الأساسية للانتخابات في هذه الأنظمة أيضا ضمان استمرارية النظام السياسي، عبر إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحقل السياسي، وتدبير الصراعات بشكل مضبوط، يسمح للنظام بالحفاظ على الاستقرار دون فتح المجال أمام منافسة حقيقية تهدد بنيته. كما تستخدم الانتخابات كآلية لـتدبير الاختلاف السياسي، عبر استيعاب قوى المعارضة داخل قواعد اللعبة الانتخابية، وتحويلها من فاعل احتجاجي إلى فاعل مؤسساتي محدود التأثير.
وأشارت الزرهوني كذلك إلى أن الانتخابات تلعب دورا مهما في احتواء النخب السياسية، من خلال إدماجها في مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات محدودة، بما يسمح للنظام بالتحكم في مساراتها، وضبط طموحاتها، وإعادة إنتاج النخب الموالية أو القابلة للتكيف مع قواعد النظام القائم.
وأكدت المتحدثة أن هذه الوظائف تجعل من الانتخابات، في كثير من السياقات غير الديمقراطية، أداة لإدارة التعددية السياسية بدل تعزيزها، وآلية لتنظيم المشاركة بدل توسيعها، وهو ما يحد من قدرتها على تمكين المواطنين من تأثير فعلي في القرار العمومي أو من مساءلة حقيقية للسلطة.
وختمت الزرهوني بالتأكيد على أن هذا الواقع يفرض إعادة التفكير في مكانة الانتخابات داخل التحليل السياسي، وعدم التعامل معها كغاية في حد ذاتها، بل كآلية ترتبط فعاليتها بطبيعة النظام السياسي وبشروط الممارسة الديمقراطية، كما يطرح تحديات حقيقية أمام بناء مشاركة سياسية فعالة وتمثيل سياسي يعكس الإرادة الفعلية للمواطنين، ويجعل من الانتخابات أداة ديمقراطية حقيقية لا مجرد إجراء شكلي.