في سياق التحضير للاستحقاقات التشريعية المقبلة، فتح نقاش أكاديمي معمق بكلية الحقوق أكدال في إطار ندوة وطنية حول مختلف الرهانات القانونية والسياسية والتكنولوجية المؤطرة للانتخابات التشريعية لسنة ألفين وستة وعشرين، هذا النقاش، الذي شارك فيه أساتذة جامعيون وباحثون وفاعلون، سعى إلى تقديم قراءات علمية متعددة للمنظومة الانتخابية، واستشراف التحديات المرتبطة بالمشاركة السياسية، والتمثيل الديمقراطي، والتحولات الرقمية التي باتت تؤثر بشكل متزايد في العملية الانتخابية.
وفي تصريح له، لموقع “بلبريس” أكد الدكتور جواد النوحي، رئيس شعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال، أن تنظيم هذا اللقاء يندرج ضمن الإسهام الطبيعي للجامعة في النقاش العمومي المرتبط بالعملية الانتخابية، خاصة وأن سنة ألفين وستة وعشرين تعد سنة انتخابية بامتياز، تشكل امتدادا لمسار انتخابي متراكم منذ عدة عقود، موضحا أن هذا المسار تحكمه رهانات متعددة كما تواجهه تحديات متزايدة، ما يجعل من الضروري أن تكون المؤسسة الجامعية حاضرة من خلال مقاربة علمية رصينة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين التحليل الأكاديمي والتفاعل مع القضايا الواقعية.
وأشار الدكتور النوحي إلى أن منظمي هذا اللقاء ارتأوا معالجة موضوع الانتخابات من زوايا مختلفة، وبمشاركة باحثين وفاعلين، بما يسمح بتلاقح الرؤى الأكاديمية مع الخبرة العملية، مضيفا أن النقاش حول انتخابات ألفين وستة وعشرين يأتي في سياق جديد يتميز بالمصادقة على القوانين الانتخابية، وما سيتلو ذلك من محطات مرتبطة بالعمليات الانتخابية ذاتها، فضلا عن النقاش العمومي والسياسي الذي ستفرزه هذه الاستحقاقات.
وشدد المتحدث ذاته على أن الرهان الأساسي المطروح اليوم يتمثل في رهان المشاركة السياسية التمثيلية، باعتبارها شرطا جوهريا لإنتاج مؤسسات قوية وقادرة على الاضطلاع بوظائفها الدستورية، مبرزا أن المشاركة الواسعة تشكل مدخلا لإفراز حكومة فاعلة، وتجديد النخب السياسية، واستيعاب التحولات التي قد يعرفها مجلس النواب المقبل، سواء على مستوى تركيبته أو أدواره التشريعية والرقابية.
وفي السياق نفسه، نبه الدكتور جواد النوحي إلى وجود تحديات كبرى تفرض نفسها على العملية الانتخابية، وفي مقدمتها التحولات التكنولوجية والرقمية، مؤكدا أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يجعل من غير الممكن فصل الانتخابات عن هذا السياق الجديد، سواء من حيث أساليب التواصل السياسي، أو تدبير الحملات الانتخابية، أو التأثيرات الناتجة عن تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قد تحدث تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة في السلوك الانتخابي وفي مسار العملية الانتخابية بوجه عام.
من جانبه، أكد الدكتور عبد العالي حامي الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال، أن الجامعة لا بديل لها عن المساهمة الفعالة في مناقشة المنظومة الانتخابية، سواء من الزاوية القانونية أو من حيث الرهانات المرتبطة بالمشاركة والتمثيل السياسي، معتبرا أن هذا اللقاء يشكل مناسبة علمية لإدارة نقاش معمق حول مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بالمنظومة الانتخابية، لاسيما ما يتعلق بالترسانة القانونية المؤطرة لها، من قوانين تنظيمية وقوانين عادية ومراسيم تنظيمية.
وأشار الدكتور حامي الدين إلى أن النقاش الأكاديمي ينبغي ألا يقتصر على الجوانب القانونية الكلاسيكية، بل يجب أن ينفتح على القضايا المستجدة، وعلى رأسها تأثير الخوارزميات والوسائط الرقمية في السلوك الانتخابي مضيفا أن المغرب يتوفر على رصيد مهم من الدراسات المتعلقة بالعملية الانتخابية، غير أن المرحلة الراهنة تفرض تقديم تحليلات جديدة تواكب التحولات المتسارعة، بما يسمح بفهم أعمق لمآلات هذه التحولات وانعكاساتها على الديمقراطية التمثيلية.
وأوضح المتحدث أن هذه التحليلات العلمية لا تخدم فقط الباحثين والطلبة، بل تشكل كذلك أداة مهمة لصانع القرار السياسي، من خلال تمكينه من معطيات دقيقة تساعده على اتخاذ قرارات رشيدة تستحضر التحولات القانونية والتكنولوجية والاجتماعية.
من جهته، أبرز الدكتور رضوان اعميمي، منسق ماستر التدبير العمومي والمالية العامة، بكلية الحقوق أكدال، أن هذا النقاش يندرج ضمن مقاربة مؤسساتية وسياسية مرتبطة بالانتخابات التشريعية، خاصة في ظل الإطار التشريعي الجديد الذي عرفه المغرب مؤخرا، واعتبر أن النقاش الأكاديمي والعلمي يسعى إلى تعميق الرؤى وتناول مجموعة من القضايا الراهنة المرتبطة بهذه التشريعات، وبالتحولات السياسية والمجتمعية والتشريعية، وكذا آثارها على القواعد الانتخابية.
وأكد الدكتور اعيميمي أن الرهان الأساسي يتمثل في حماية العملية الانتخابية، من خلال الالتزام بمبادئ الشفافية والنزاهة، وتعزيز المشاركة السياسية، بما يضمن إفراز مؤسسات سياسية قوية وقادرة على رفع التحديات المستقبلية التي يعرفها المغرب، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو التنموي.
ويرى مراقبون أن هذا النقاش الأكاديمي وثراء المداخلات المقدمة يعكس وعيا متزايدا بأهمية الدور الذي تضطلع به الجامعة في مواكبة الاستحقاقات الانتخابية، والإسهام في تطوير النقاش العمومي حول الديمقراطية التمثيلية، من خلال مقاربة علمية نقدية تستحضر الأبعاد القانونية والسياسية والتكنولوجية، وتسعى إلى تعزيز الثقة في العملية الانتخابية باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز البناء الديمقراطي بالمغرب.