لم تعد ركلات الترجيح في كرة القدم تُختزل في الحظ أو المصادفة، بل تحولت إلى مجال يعتمد على التحضير الذهني والتحليل العلمي، وهو ما تجلى بوضوح خلال منافسات كأس العالم 2026، حيث باتت المنتخبات والمدربون وحراس المرمى يتعاملون معها كتخصص قائم بذاته قد يحسم مصير البطولات.
ويرى جير يوردت، الأستاذ بالمدرسة النرويجية لعلوم الرياضة ومؤلف كتاب “الضغط”، أن المقولة القديمة التي تصف ركلات الترجيح بأنها “لعبة حظ” لم تعد صالحة في كرة القدم الحديثة، مؤكداً أن الإعداد النفسي والعلمي أصبح العامل الأكثر تأثيراً في هذه اللحظات الحاسمة.
وأوضح يوردت، في تصريحات لوكالة رويترز، أن أي منتخب يطمح إلى الذهاب بعيداً في كأس العالم لا بد أن يستعد جيداً لسيناريو ركلات الترجيح، معتبراً أن إهمال هذا الجانب قد يترك أثراً نفسياً قاسياً على اللاعبين الذين تُحدد مسيرتهم أحياناً بركلة واحدة.
وفي كتابه، حلل الباحث 718 ركلة ترجيح نُفذت في بطولات كأس العالم وكأس أوروبا ودوري أبطال أوروبا منذ عام 1970 وحتى 2023، ليتوصل إلى أن أكثر من نصف اللاعبين الذين أهدروا ركلاتهم أظهروا علامات واضحة على الانهيار النفسي، مثل الانحناء أو تغطية الوجه أو تجنب النظر إلى زملائهم.
وأشار يوردت إلى أن المنتخب الإنجليزي عانى لسنوات طويلة من الإخفاق في ركلات الترجيح، بعدما خسر ستاً من أصل سبع مواجهات خلال التسعينيات وبداية الألفية، رغم امتلاكه جيلاً من أبرز اللاعبين.
وأضاف أن الاتحاد الإنجليزي تعامل مع المشكلة بطريقة علمية، عبر إطلاق برامج متخصصة لتحسين الأداء الذهني والفني في ركلات الترجيح، وهو النهج الذي يواصل المدرب توماس توخيل تطبيقه، مؤكداً أن التدريب المتكرر على هذه المواقف أصبح جزءاً أساسياً من إعداد المنتخب.
وفي السياق نفسه، شدد مدرب إسبانيا لويس دي لا فوينتي على أن تنفيذ ركلات الجزاء يحتاج إلى لاعبين متخصصين، تماماً كما هو الحال مع الركلات الحرة والركنية، مع ضرورة مراعاة الفروق النفسية بين اللاعبين، فيما اعتمد مدرب البرازيل كارلو أنشيلوتي تدريبات تحاكي أجواء المباريات، مع مراقبة لغة الجسد وردود فعل اللاعبين قبل التنفيذ.
وأكد يوردت أن تعابير الوجه وطريقة المشي وسرعة التوجه نحو الكرة قد تكشف مستوى التوتر الذي يعيشه اللاعب، موضحاً أن الاستجابة المتسرعة لصفارة الحكم قد تعني أن اللاعب يركز على مشاعره أكثر من تركيزه على تنفيذ الركلة، معتبراً أن الفرنسي كيليان مبابي يشكل استثناءً بفضل سرعته الطبيعية في الأداء.
وفي المقابل، يرى الباحث أن حراس المرمى يعيشون ثورة حقيقية في التعامل مع ركلات الترجيح بفضل الاعتماد على التحليلات والبيانات، مشيراً إلى أن الحارس المغربي ياسين بونو أصبح من أبرز النماذج في هذا المجال.
وأوضح أن بونو نجح في تحويل التصدي لركلات الترجيح إلى مواجهة نفسية، من خلال استخدام حركات خداع مدروسة تربك منفذي الركلات وتجبرهم على اتخاذ قرارات خاطئة في اللحظات الأخيرة، وهو ما ظهر بوضوح خلال مباراة المغرب وهولندا في دور الـ32، عندما تصدى لإحدى الركلات بينما أهدر لاعبان هولنديان محاولتيهما.
وختم يوردت بالتأكيد على أن بونو يعتمد حركة تمويه مزدوجة على خط المرمى توحي للمهاجم بأنه سيتجه إلى جهة معينة قبل أن يغير اتجاهه في اللحظة الأخيرة، معتبراً أن هذه التفاصيل الدقيقة أصبحت تصنع الفارق في كرة القدم الحديثة، رغم أن ركلة واحدة من مسافة 12 ياردة قد تظل كافية لتحديد مصير لاعب أو منتخب بأكمله.