هل تضيق هيئة أطباء الأسنان على الأطباء الذين يراعون القدرة الشرائية؟

كشفت مصادر مهنية لـ”بلبريس” أن عددا من أطباء الأسنان المنضوين تحت لواء الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان فوجئوا بتوصلهم بإنذارات مهنية، جرى تداول مضامينها على نطاق واسع داخل مجموعات تطبيق «واتساب» الخاصة بالمهنيين، وذلك على خلفية التسعيرات التي يعتمدونها مقابل تقديم عدد من الخدمات العلاجية.

 

وأفادت المصادر ذاتها بأن الأطباء المعنيين، الذين باتوا يعرفون داخل الأوساط المهنية بـ«أطباء الفقراء»، يواجهون إجراءات تأديبية بسبب اعتمادهم أسعارا تقل عن تلك المعمول بها لدى عدد من زملائهم، خصوصا في مجال تقويم الأسنان وتصحيح اعوجاجاتها، حيث يحرصون على تقديم هذه الخدمات بأثمنة تراعي الإمكانات المادية للمواطنين، ولا سيما المنتمين إلى الفئات محدودة الدخل.

 

ويتركز الخلاف، وفق المصادر نفسها، حول غياب تعريفة مرجعية موحدة وواضحة تحدد أسعار مختلف الخدمات المقدمة داخل عيادات طب الأسنان، الأمر الذي يطرح علامات استفهام بشأن المعايير المعتمدة في توجيه الإنذارات إلى بعض الأطباء، والأسس التي تستند إليها الهيئة في إحالة ملفاتهم على لجنة الأخلاقيات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بخدمات تقدم بأسعار أقل من المتداولة في السوق.

 

ويعكس هذا الجدل اختلافا في التصورات المهنية بشأن تسعير الخدمات العلاجية، بين أطباء يفضلون اعتماد هوامش ربح محدودة مقابل توسيع قاعدة المرضى وتمكين أكبر عدد من المواطنين من الاستفادة من العلاج، وآخرين يعتمدون أسعارا مرتفعة مقابل الخدمات ذاتها. ويعيد هذا الوضع النقاش حول كلفة العلاج وهوامش الربح في القطاع إلى الواجهة، في ظل تقديرات متداولة داخل الأوساط المهنية تتحدث عن هوامش قد تصل إلى 200 في المائة في بعض الخدمات.

 

وأثارت هذه الإجراءات استياء عدد من المهنيين، الذين يرون أن اعتماد أسعار مناسبة للمرضى لا ينبغي أن يكون سببا للمساءلة التأديبية، ما دام الطبيب يحترم الضوابط الطبية والأخلاقية للممارسة المهنية، ويقدم خدمات علاجية تستجيب لحاجيات المواطنين. كما يعتبرون أن غياب مرجع تسعيري واضح ومعلن يجعل مساءلة الأطباء بسبب تخفيض أسعار خدماتهم أمرا يثير الكثير من التساؤلات حول حدود تدخل الهيئة في تحديد المقابل المالي للعلاج.

 

ويضع هذا الملف الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان أمام نقاش يتجاوز الخلاف حول الأسعار، ليمس طبيعة العلاقة بين التنظيم المهني وحرية الطبيب في تحديد أتعابه، ومدى مراعاة القرارات التأديبية للبعد الاجتماعي للحق في العلاج، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية وصعوبة ولوج شرائح واسعة من المغاربة إلى العلاجات المرتبطة بصحة الفم والأسنان.

 

ولا يقف الجدل عند مسألة التسعير، بل يمتد إلى القيود المفروضة على الإشهار والتواصل التجاري في القطاع، إذ يخضع أطباء الأسنان بالمغرب لضوابط تحد من إمكانية التعريف بخدماتهم والترويج لعروضهم عبر المنصات الرقمية، بدعوى احترام أخلاقيات المهنة وتفادي الممارسات التجارية التي قد تمس بطبيعة العمل الطبي.

 

وفي المقابل، تنشط مصحات ومراكز متخصصة في تركيا عبر حملات إعلانية واسعة تستهدف المواطنين المغاربة على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال تقديم عروض وباقات ترويجية لإجراء علاجات تجميل الأسنان وتركيب التقويمات والقشور الخزفية، في إطار استراتيجية تسويقية تروم استقطاب زبائن من السوق المغربية.

 

وتطرح هذه المفارقة تساؤلات بشأن مدى تكافؤ الفرص بين المهنيين المغاربة ونظرائهم في الخارج، خصوصا أن عددا من المواطنين باتوا يختارون السفر إلى تركيا للاستفادة من خدمات علاجية وتجميلية في مجال الأسنان، مستفيدين من العروض الإعلانية التي تستهدفهم بشكل مباشر. ولا يقتصر أثر هذا التوجه على القطاع الصحي، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، من خلال تحويل جزء من الإنفاق المغربي على الخدمات الطبية والتجميلية إلى الخارج، عوض استثماره داخل السوق الوطنية ودعم العيادات والمراكز المحلية.

 

ويرى مهنيون أن استمرار هذه القيود، دون مراجعة الإطار المنظم للإشهار والتواصل المهني، يطرح ضرورة إعادة النظر في التوازن بين حماية أخلاقيات المهنة وضمان حق الأطباء المغاربة في التعريف بخدماتهم ومنافسة العروض الخارجية. كما يعتبرون أن تنظيم القطاع ينبغي ألا يتحول إلى عائق أمام المبادرات التي تسعى إلى جعل العلاج في متناول المواطنين، أو إلى إضعاف تنافسية العرض الصحي الوطني أمام مراكز أجنبية تستثمر بكثافة في التسويق الرقمي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *