عاد النقاش حول مستقبل الانتقال الطاقي بالمغرب إلى الواجهة، مع تصاعد الدعوات إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للإنتاج الذاتي للكهرباء، بما يسمح بتوسيع دائرة المستفيدين من الطاقات المتجددة، وعدم حصر دور الأسر والمقاولات والمزارعين في استهلاك الكهرباء، بل تمكينهم من إنتاجها وضخ الفائض منها في الشبكة الوطنية مقابل تعويض مالي منصف.
وفي هذا السياق، دعا تقرير تحليلي أنجزته منظمة “فضاء التضامن والتعاون بالجهة الشرقية”، بشراكة مع منظمة “غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، إلى إدخال تعديلات على القانون رقم 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للكهرباء، معتبرا أن المقتضيات الحالية لا توفر، بالشكل الكافي، الحوافز القانونية والاقتصادية الضرورية لتشجيع المواطنين والفاعلين الاقتصاديين على الاستثمار في إنتاج الطاقة المتجددة.
ويرى التقرير، المعنون بـ”التحول الطاقوي العادل في المغرب.. مسارات إصلاح القانون 82.21 لتعزيز الإنتاج اللامركزي للطاقة المتجددة”، أن الإشكال لا يرتبط فقط بإمكانية إنتاج الكهرباء للاستهلاك الشخصي، وإنما يمتد إلى محدودية الفرص المتاحة أمام المنتجين الذاتيين للاستفادة اقتصاديا من الكميات التي لا يحتاجون إليها، وهو ما قد يضعف جاذبية الاستثمار في هذا المجال.
وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة بالنظر إلى وضعية التبعية الطاقية التي يعيشها المغرب، إذ يستورد ما يقارب 90 في المائة من احتياجاته من الطاقة، الأمر الذي يجعله عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. وقد تجاوزت فاتورة واردات الطاقة 20 في المائة من إجمالي واردات المملكة خلال سنة 2022، بما ترتب عن ذلك من ضغوط على الميزان التجاري واحتياطات العملة الصعبة، إلى جانب الأعباء المالية المرتبطة بدعم غاز البوتان.
وفي مقابل هذه التحديات، قطع المغرب أشواطا في تطوير مصادر الطاقة المتجددة، التي بلغت حصتها 45 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة سنة 2024، وساهمت بنحو 27 في المائة من إجمالي الإنتاج الكهربائي، في وقت تستهدف فيه المملكة رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة بحلول سنة 2030.
ورغم أن القانون رقم 82.21، الصادر في فبراير 2023، وضع إطارا قانونيا يحدد حقوق المنتجين الذاتيين والتزاماتهم، وفتح المجال أمام ربط منشآتهم بالشبكة الكهربائية، فإن التقرير يعتبر أن فلسفة النص ما تزال أقرب إلى تنظيم الاستهلاك الذاتي منها إلى تشجيع إنتاج الكهرباء على نطاق واسع.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارت انتباه معدّي التقرير، المادة 12 التي تحدد نسبة الكهرباء التي يمكن للمنتج الذاتي بيعها لمشغل الشبكة في سقف لا يتجاوز 20 في المائة من إنتاجه السنوي. ويرى التقرير أن هذا القيد يحد من الاستفادة الاقتصادية من الإنتاج الفائض، خصوصا لدى الأسر والمقاولات الصغيرة والمزارع التي قد تنتج كميات تفوق احتياجاتها الفعلية.
ولا يتوقف الأمر عند حدود النسبة المسموح بها، إذ يشير التقرير إلى غياب تعريفة واضحة ومحددة لشراء الكهرباء الفائضة على مستوى شبكات الجهد المنخفض، وهو ما يخلق حالة من عدم اليقين بشأن المردودية المالية للمشاريع، ويجعل اتخاذ قرار الاستثمار أو الحصول على تمويل أكثر صعوبة.
كما سجل التقرير أن العتبة المحددة في 11 كيلوواط، والتي تفصل بين مسطرتي التصريح والموافقة، لا تستجيب، بحسب تقديره، لاحتياجات بعض المشاريع التي تتطلب قدرة إنتاجية أكبر، من قبيل العمارات السكنية متعددة الشقق أو الضيعات الفلاحية التي تعتمد على غرف التبريد والتجهيزات الكهربائية.
وفي جانب آخر، أثار التقرير مسألة المساطر الإدارية والعلاقة بين المنتجين الذاتيين ومشغلي شبكات التوزيع، معتبرا أن إسناد النظر في طلبات الربط إلى جهات قد تتأثر مصالحها التجارية بتوسع الإنتاج الذاتي يطرح تساؤلات بشأن ضرورة ضمان الحياد والشفافية في معالجة هذه الطلبات.
ولمعالجة هذه الاختلالات، يطرح التقرير مجموعة من التعديلات التي تستهدف الانتقال من مجرد السماح بالإنتاج الذاتي إلى بناء نموذج أوسع يتيح للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين المشاركة في إنتاج الكهرباء وتوزيعها.
وفي مقدمة هذه المقترحات، الدعوة إلى مراجعة الغاية الأساسية للقانون، من خلال الاعتراف الصريح بالمستهلك باعتباره منتجا محتملا وموردا للكهرباء، إلى جانب إلغاء السقف المحدد في 20 في المائة، بما يسمح ببيع كامل الفائض المنتج، وفق ضوابط تقنية تضمن استقرار الشبكة الكهربائية.
كما يدعو التقرير إلى إقرار تعريفة شراء واضحة وعادلة وشفافة، تضمن للمنتجين عائدا اقتصاديا معقولا، مع مراعاة تكاليف تدبير الشبكة والحفاظ على توازنها، فضلا عن رفع عتبة 11 كيلوواط حتى تستجيب لمتطلبات المشاريع السكنية والفلاحية والتجارية ذات القدرة الإنتاجية المرتفعة.
وعلى المستوى الإداري، يقترح التقرير تبسيط الوثائق والإجراءات المطلوبة للحصول على الموافقات، واعتماد مبدأ الموافقة الضمنية في حال عدم الرد داخل الآجال القانونية، إلى جانب إسناد معالجة طلبات الربط إلى جهة مستقلة عن مشغلي شبكات التوزيع، أو إخضاع هذه العمليات لرقابة تنظيمية مستقلة.
كما تشمل التوصيات مراجعة المقتضيات المتعلقة بالمخالفات والعقوبات، وتقليص الغرامات، وإعادة إدراج بعض الأحكام المرتبطة بتحديد الإنتاج ضمن القواعد التقنية بدل تصنيفها ضمن باب العقوبات، مع استكمال النصوص التنظيمية المرتبطة بمدونة شبكات التوزيع وأنظمة التخزين وآليات احتساب الكهرباء المنتجة والمستهلكة والموجهة إلى الشبكة.
وتكشف هذه المقترحات عن نقاش يتجاوز الجانب التقني لإنتاج الكهرباء، ليطرح سؤالا أوسع حول موقع المواطن في النموذج الطاقي المغربي: هل سيظل مستهلكا يعتمد على الشبكة لتلبية احتياجاته، أم سيتحول تدريجيا إلى فاعل يساهم في الإنتاج ويستفيد من تسويق الفائض؟
وبين الأهداف الوطنية الرامية إلى تعزيز حصة الطاقات المتجددة والإكراهات المرتبطة بكلفة الطاقة والتبعية للأسواق الخارجية، يضع التقرير مراجعة القانون 82.21 ضمن المداخل الممكنة لتوسيع قاعدة الإنتاج اللامركزي، وجعل الانتقال الطاقي أكثر ارتباطا بالمشاركة الاقتصادية للأسر والمقاولات والقطاع الفلاحي.