لاراثون: المغرب بات لاعبا دوليا في صناعة الأسلحة

لم يعد التحول الذي يشهده المغرب في مجال الصناعات الدفاعية يمر دون إثارة اهتمام وسائل الإعلام الدولية، بعدما بدأت تقارير أجنبية تتحدث عن انتقال المملكة من موقع المستورد التقليدي للأسلحة إلى مرحلة بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية، قادرة على إنتاج ذخائر استراتيجية وفق المعايير المعتمدة داخل حلف شمال الأطلسي، في خطوة ينظر إليها باعتبارها جزءا من رؤية أوسع لتعزيز السيادة الدفاعية وتقوية الجاهزية العسكرية.

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “لاراثون” الإسبانية بأن المغرب يسير بوتيرة متسارعة نحو تطوير قدراته الصناعية العسكرية، من خلال إطلاق إنتاج ذخائر المدفعية من عيار 155 ملم داخل التراب الوطني، وهو العيار الأكثر استخداما لدى جيوش الناتو، والذي اكتسب أهمية استثنائية خلال السنوات الأخيرة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث كشفت المعارك أن امتلاك خطوط إنتاج وطنية للذخيرة أصبح عاملا حاسما في ضمان استمرارية العمليات العسكرية وتجنب الارتهان لسلاسل التوريد الخارجية.

ويرى التقرير أن أهمية هذه الخطوة لا ترتبط فقط بإنتاج نوع متطور من الذخائر، وإنما بما تعكسه من تحول في العقيدة الصناعية الدفاعية للمغرب، إذ لم يعد الهدف مقتصرا على اقتناء المعدات العسكرية الحديثة، بل أصبح يتجه نحو تصنيع جزء من احتياجاته محليا، بما يوفر هامشا أكبر من الاستقلالية خلال الأزمات الدولية أو في حال اضطراب الأسواق العالمية الخاصة بالتسليح.

وأشار المصدر الإسباني إلى أن شركة “MMI Ammunition” المتمركزة بمنطقة سيدي يحيى تضطلع بإنتاج منظومة متكاملة من الذخائر، تشمل أربعة أصناف من قذائف المدفعية عيار 155 ملم، إضافة إلى الشحنات الدافعة المعيارية الخاصة بمدافع الهاوتزر، فضلا عن ذخائر عيار 30×173 ملم المستخدمة في المدافع الآلية، وهو ما يمنح القوات المسلحة الملكية إمكانيات لوجستية أكبر في مجال الإمداد والصيانة والتخزين.

ولفت التقرير إلى أن هذه المنتجات تتوافق مع النماذج التي تطورها شركة “Elbit Systems” الإسرائيلية، معتبرا أن ذلك يعكس مستوى التعاون العسكري والتكنولوجي الذي تعزز بين الرباط وتل أبيب خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى نقل التكنولوجيا أو تحديث المنظومات الدفاعية، وهو تعاون أصبح يشكل أحد أعمدة استراتيجية المغرب في تطوير صناعاته العسكرية.

ويضع التقرير هذا المشروع ضمن مسار أشمل لتحديث الترسانة العسكرية المغربية، مذكرا بسلسلة من صفقات التسلح التي أبرمتها المملكة خلال الفترة الأخيرة، وشملت اقتناء طائرات مسيرة ومنظومات صاروخية بعيدة المدى وتجهيزات عسكرية متطورة، بما يعكس توجها يقوم على الجمع بين تحديث القدرات القتالية وتطوير قاعدة إنتاج محلية تقلص التبعية للخارج.

وبحسب “لاراثون”، فإن امتلاك القدرة على تصنيع ذخائر بهذا الحجم يمنح المغرب أفضلية استراتيجية في الحفاظ على مخزوناته العسكرية وتأمين احتياجاته دون الاعتماد الكلي على الموردين الدوليين، خاصة في ظل الارتفاع الكبير للطلب العالمي على ذخائر المدفعية، بعد أن استنزفت الحرب في أوكرانيا جزءا مهما من مخزونات عدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، أوضح التقرير أن هذا التطور يثير اهتماما متزايدا داخل إسبانيا، بالنظر إلى أن ذخائر 155 ملم تمثل العمود الفقري لقدرات المدفعية لدى جيوش الناتو، بينما تعمل عدة دول أوروبية على إعادة تكوين احتياطاتها العسكرية التي تقلصت بفعل الدعم العسكري المقدم لكييف، وهو ما يجعل أي قدرة إنتاجية جديدة في الضفة الجنوبية للمتوسط محل متابعة دقيقة.

ورأت الصحيفة أن استمرار المغرب في تعزيز ترسانته الدفاعية، سواء عبر إنتاج الذخائر أو اقتناء المدرعات والطائرات المسيرة ومنظومات الصواريخ، قد يفرض معادلات جديدة في البيئة الأمنية الإقليمية، ويزيد من اهتمام الدول المجاورة بمسار التحديث العسكري الذي تنتهجه المملكة، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تغيير فوري في ميزان القوى.

ورغم هذا التقييم الإيجابي، سجل التقرير أن الصورة لا تزال غير مكتملة، إذ لم يتم الإعلان حتى الآن عن الطاقة الإنتاجية السنوية للمصنع أو حجم الذخائر التي تم تصنيعها فعليا أو الجدول الزمني للتشغيل الكامل لخطوط الإنتاج، وهي معطيات اعتبرتها الصحيفة أساسية للحكم على مدى قدرة المغرب على التحول إلى فاعل صناعي مؤثر في سوق الذخائر العسكرية.

واختتمت “لاراثون” تقريرها بالتأكيد على أن مصنع سيدي يحيى لا يجعل المغرب قوة صناعية عسكرية كبرى في وقت وجيز، لكنه يمثل خطوة استراتيجية تؤسس لمسار طويل يهدف إلى بناء صناعة دفاعية وطنية أكثر استقلالية، وهو مسار قد تتزايد انعكاساته على التوازنات العسكرية والإقليمية كلما توسعت القدرات الإنتاجية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *