تواصل الحكومة توسيع مظلة الحماية الاجتماعية بوتيرة متسارعة، في إطار أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، بعدما بلغت نسبة تغطية الأسر نحو 92 في المائة، وهو ما يعكس تقدما ملحوظا في مسار تعميم الاستفادة من آليات الدعم والحماية لفائدة الفئات المستهدفة.
ويستند هذا التحول إلى إعادة هيكلة عميقة لمنظومة الاستهداف الاجتماعي، تقوم على الرقمنة وتوحيد قواعد البيانات واعتماد معايير أكثر دقة لتحديد الأسر المؤهلة للاستفادة من برامج الدعم، في محاولة لتجاوز الاختلالات التي طبعت الأنظمة السابقة وضمان توجيه الموارد العمومية إلى الفئات الأكثر احتياجا.
وفي هذا السياق، أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أن السجل الاجتماعي الموحد أصبح الآلية المرجعية لتحديد المستفيدين من مختلف برامج الدعم، بعدما حل محل مقاربات تقليدية كانت تعتمد معايير مجالية أو فئوية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والديمغرافية التي يشهدها المغرب.
وترتكز المنظومة الجديدة على تقييم الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للأسر من خلال مجموعة واسعة من المؤشرات المرتبطة بالدخل والسكن والوضعية المهنية والمستوى التعليمي وحجم الأسرة، بما يسمح ببناء قاعدة معطيات دقيقة تساعد على توجيه الدعم بشكل أكثر فعالية وإنصافا.
وتعتبر الحكومة أن نظام الدعم الاجتماعي المباشر والتأمين الإجباري الأساسي عن المرض لفائدة الفئات غير القادرة على أداء الاشتراكات يشكلان العمود الفقري لورش الحماية الاجتماعية، بالنظر إلى دورهما في تقليص الفوارق الاجتماعية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وأظهرت المعطيات الرسمية أن عدد الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر تجاوز 3.9 ملايين أسرة إلى حدود نهاية فبراير 2026، بما يمثل حوالي 12.6 مليون مستفيد، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الاستفادة مقارنة بالسنوات الماضية.
ويبرز هذا التوسع، بحسب متابعين للشأن الاجتماعي، انتقال الدولة من منطق الدعم المشتت بين عدة برامج منفصلة إلى مقاربة أكثر تكاملا تقوم على تجميع مختلف أشكال المساعدة داخل منظومة موحدة، بما يضمن التقائية التدخلات الاجتماعية وتحسين أثرها على الفئات المستهدفة.
وفي موازاة توسيع التغطية، تعتمد السلطات آليات دورية لتحيين المعطيات الاجتماعية للأسر ومراجعة أهليتها للاستفادة، وذلك من خلال تبادل المعلومات بين مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية، بما يتيح مواكبة التغيرات التي قد تطرأ على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمستفيدين.
ويرى خبراء في السياسات العمومية أن نجاح أي نظام للدعم الاجتماعي لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة له، بل أيضا بقدرته على استهداف الفئات المحتاجة بدقة وتفادي تسرب الموارد نحو غير المستحقين، وهو ما تراهن عليه الحكومة من خلال السجل الاجتماعي الموحد.
أما على مستوى التمويل، فتسعى الحكومة إلى تأمين استدامة هذا الورش عبر تنويع مصادر الموارد المالية وعدم الاكتفاء بالاعتمادات المدرجة في الميزانية العامة. وتشمل هذه الموارد إعادة توجيه مخصصات عدد من البرامج الاجتماعية السابقة، إلى جانب تعبئة إيرادات ضريبية ورسوم موجهة خصيصا لدعم منظومة الحماية الاجتماعية.
كما تراهن السلطات على صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي باعتباره الأداة المركزية لتجميع وتدبير الموارد المخصصة لهذا المشروع، في ظل تزايد كلفة التغطية الاجتماعية واتساع عدد المستفيدين سنة بعد أخرى.
ويؤكد متابعون أن التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في توسيع قاعدة المستفيدين، بل في ضمان استدامة التمويل وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية المقدمة، بما يجعل الحماية الاجتماعية رافعة حقيقية للحد من الهشاشة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
ومع اقتراب المغرب من تحقيق تغطية شبه شاملة للأسر، يبدو أن ورش الحماية الاجتماعية دخل مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكتسبات وضمان ديمومتها، في أفق بناء نموذج اجتماعي أكثر قدرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين ومواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية.