حذر إلياس القصري، السفير التونسي السابق لدى ألمانيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان، من تداعيات التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها منطقة شمال إفريقيا والساحل، معتبرا أن الجزائر تواجه ضغوطا متزايدة على أكثر من واجهة، في ظل ما وصفه بتراجع قدرة نموذج الدولة المركزية على احتواء التناقضات الداخلية والتحديات الإقليمية.
واعتبر الدبلوماسي التونسي السابق، في مقال نشره عبر حسابه الرسمي بموقع “فيسبوك”، أن التطورات الجارية في المنطقة لا يمكن اختزالها في أزمات أمنية عابرة، وإنما تعكس، بحسب تقديره، اختلالات بنيوية مرتبطة بطبيعة الدول التي تشكلت خلال المرحلة الاستعمارية، ومدى قدرتها على التكيف مع الخصوصيات الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات المحلية.
وخص القصري الجزائر بجزء مهم من تحليله، مشيرا إلى أن تمسكها بمبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، الذي تبنته منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1964، يرتبط بمخاوف من انعكاسات أي تحول في البنية السياسية للدول المجاورة على تماسكها الداخلي.
وفي هذا السياق، رأى أن الاعتراف بنماذج فيدرالية أو بظهور كيانات سياسية جديدة في ليبيا قد يفتح نقاشا مماثلا بشأن عدد من المناطق الجزائرية، وفي مقدمتها منطقة القبائل ومناطق الطوارق في الجنوب، فضلا عن مناطق قال إنها ارتبطت تاريخيا بالمجالين التونسي والمغربي.
وربط السفير السابق هذه الهواجس بما اعتبره مأزقا جيوسياسيا تواجهه الجزائر على ثلاث جبهات متزامنة، موضحا أن استمرار الانقسام الليبي شرقا يحد من قدرتها على التأثير في مسار التسوية السياسية، في حين أدى تدهور علاقاتها مع عدد من دول الساحل، خصوصا مالي والنيجر، إلى تعقيد محيطها الأمني جنوبا.
أما على المستوى الغربي، فتوقف عند التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، معتبرا أن ما وصفه بالنهاية الفعلية للدور العازل لبعثة المينورسو يضع الجزائر أمام معادلات استراتيجية جديدة، قد تزيد من حدة التوترات الإقليمية وتفرض عليها إعادة تقييم حساباتها الأمنية والسياسية.
ولم يفصل القصري هذه التطورات عن الوضع الداخلي الجزائري، إذ اعتبر أن الاعتماد الكبير على عائدات المحروقات، إلى جانب القيود السياسية والأمنية، يحد من قدرة البلاد على معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، ويعمق، وفق تحليله، هشاشة النموذج المركزي الذي تقوم عليه الدولة.
وانتقل الدبلوماسي التونسي إلى الحالة الليبية، التي قدمها باعتبارها نموذجا لفشل محاولات بناء دولة مركزية دون توافق اجتماعي وسياسي شامل، مشيرا إلى أن توحيد أقاليم طرابلس وبرقة وفزان خلال الحقبة الاستعمارية الإيطالية لم ينجح، في تقديره، في تجاوز الفوارق التاريخية والجهوية بينها.
وأضاف أن التجارب السياسية التي تعاقبت على ليبيا، من النظام الملكي الفيدرالي إلى حكم معمر القذافي، لم تتمكن من إرساء هوية وطنية جامعة تتجاوز الولاءات المحلية والإقليمية، وهو ما يفسر، بحسب قراءته، استمرار الانقسامات رغم المبادرات الدبلوماسية المتكررة لإعادة توحيد المؤسسات.
وفي المقابل، اعتبر أن المساعي الدولية الرامية إلى إعادة بناء سلطة مركزية موحدة في طرابلس تصطدم بواقع سياسي واجتماعي معقد، في ظل تمسك القوى النافذة في برقة بمصالحها المرتبطة بالموارد النفطية، واستمرار ارتباط فزان بالشبكات الاقتصادية والاجتماعية العابرة للحدود في منطقة الصحراء الكبرى.
وعلى ضوء هذه المعطيات، وجه القصري انتقادات إلى المقاربة الدبلوماسية التونسية تجاه محيطها الإقليمي، معتبرا أن استمرار الدفاع عن التوازنات والحدود الموروثة عن الاستعمار قد لا ينسجم مع التحولات التي تشهدها المنطقة.
ودعا في هذا الصدد إلى تبني سياسة خارجية قائمة على الحياد البراغماتي، تتيح لتونس الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية بعيدا عن تداعيات الصراعات الإقليمية، مع الانفتاح على مختلف مراكز النفوذ الاقتصادي والاجتماعي في دول الجوار.
وذهب السفير التونسي السابق إلى أن احتمال انتقال ليبيا والجزائر نحو صيغ أكثر لامركزية، أو تعرض بنيتهما السياسية لتحولات أعمق، قد يمنح تونس فرصا لإعادة بناء علاقاتها الإقليمية على أسس اقتصادية وأمنية مختلفة، تقوم على المصالح المشتركة والتعاون المباشر مع الفاعلين المحليين.
وخلص القصري إلى أن المرحلة المقبلة تفرض، من وجهة نظره، مراجعة التصورات التقليدية التي حكمت العلاقات المغاربية منذ الاستقلال، معتبرا أن قدرة تونس على التكيف مع التحولات الجيوسياسية المحيطة بها ستكون عاملا حاسما في تحديد موقعها داخل المنطقة، في ظل استمرار الأزمات السياسية والأمنية التي تواجه عددا من دول شمال إفريقيا والساحل.