في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، عادت قضية الصحراء المغربية لتحتل موقعا متقدما في الأجندة الدبلوماسية، عقب التصريحات التي أدلى بها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لقناة فرانس 24، تصريحات حملت إشارات دقيقة بشأن ثبات الموقف الأمريكي، مقابل الحديث عن ضرورة تسريع المسار الأممي، ما فتح باب التأويل حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود التحرك الأمريكي داخل مجلس الأمن.
هذه التصريحات أعادت طرح سؤال مركزي حول ما إذا كانت واشنطن بصدد الانتقال من منطق تثبيت الاعتراف إلى منطق الدفع العملي نحو تسوية نهائية، أم أنها تواصل اعتماد مقاربة توازن بين دعم المقترح المغربي والحفاظ على الغطاء الأممي كإطار ناظم للعملية السياسية، وبين الثبات المعلن وتسريع الإيقاع، تبرز مؤشرات على دينامية دبلوماسية قد تعيد ترتيب أوراق هذا الملف خلال الفترة القادمة.
وفي قراءة تحليلية لتصريحات بولس، يرى عصام لعروسي أستاذ العلاقات الدولية، أن مسعد بولس تعمد في مداخلته التمييز بوضوح بين مستويين: الأول يتعلق بالموقف الأمريكي الذي وصفه بالثابت تجاه مغربية الصحراء، والثاني يرتبط بالمسار الأممي باعتباره الإطار الإجرائي المعتمد دوليا، هذا التمييز، بحسب لعروسي، ليس تفصيلا لغويا، بل يعكس حرص واشنطن على تثبيت مرجعيتها السياسية، مقابل استمرارها في دعم العملية التي ترعاها الأمم المتحدة.
وأكد لعروسي خلال تصريح “لبلبريس” أن القرار الأممي 2797 أرضية للحل، مع التشديد على عنصر الاستعجال وضرورة إنهاء ما وصف بالصراع المفتعل، غير أن لعروسي يسجل أن تقديم القرار كصيغة تحظى بقبول الأطراف يتجاهل درجة التحفظ التي وسمت مواقف بعض الفاعلين، ما يؤكد أن المسار لا يزال تحكمه حسابات سياسية معقدة، حتى وإن جرى تمرير القرار داخل مجلس الأمن.
كما توقف عصام لعروسي عند إشادة بولس بالتخفيضات أو المرونة التي أبداها المغرب في إطار مبادرة الحكم الذاتي، مع تأكيده أن مسألة الكشف عن تفاصيل النسخة المحينة من المبادرة تظل قرارا سياديا مغربيا.
ويعتبر المتحدث أن هذا المعطى يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يعكس اعترافا ضمنيا بأن المبادرة المغربية تظل المقترح الوحيد القابل للتفعيل عمليا، مع إمكانية تطويرها في إطار بناء الثقة بين الأطراف.
ومن زاوية أخرى، أوضح أستاذ العلاقات الدولية، أن تصريحات بولس اتسمت بقدر واضح من التحفظ الدبلوماسي، خاصة في ما يتعلق بدور الجزائر وموريتانيا، حيث جرى توصيفهما كملاحظين دون الخوض في التفاصيل، مذكرا بالشراكة الاستراتيجية التي تجمع الولايات المتحدة بالجزائر، بما في ذلك اتفاقيات التعاون العسكري الموقعة خلال السنة الماضية.
هذا التوازن في الخطاب، وفق لعروسي، يهدف إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف دون المساس بجوهر الموقف الأمريكي.
أما بخصوص عنصر التوقيت، لفت المتحدث الى أن حديث بولس عن ضرورة الاستعجال يوحي، بوجود دينامية دبلوماسية قد تتكثف خلال الأشهر المقبلة، سواء عبر لقاءات مرتقبة أو عبر تحركات دولية تهدف إلى تضييق هوامش الخلاف، ويرجح أن تسعى واشنطن إلى الدفع نحو صيغة وسطى تقارب بين الطرح المغربي المدعوم أمريكيا، وبين السقف الذي يتيحه الإطار الأممي، بما يجعل مبادرة الحكم الذاتي آلية عملية لإنهاء النزاع.
وخلص عصام لعروسي أستاذ العلاقات الدولية إلى أن تصريحات مسعد بولس، رغم ما طبعها من حذر، تعكس رسائل سياسية واضحة: تثبيت الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، الدفع نحو تسريع مسار التسوية، والإبقاء على الغطاء الأممي كآلية تنظيمية للحل، وبين ثبات الموقف وتسريع الإيقاع، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لتحركات دبلوماسية مكثفة قد تعيد رسم ملامح هذا الملف في اتجاه حسم طال انتظاره.