على هامش الندوة الصحفية التي عقدت أمس الخميس 19 فبراير الجاري، لتفسير القرار الحكومي بشأن تنظيم قطاع الصحافة، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن مهنة الصحافة تظل مهنة نبيلة تؤدي دورا محوريا في المجتمع، مشددا على أن الدولة لا يمكن أن تتدخل في النموذج الاقتصادي للمقاولات الإعلامية ولا في اختياراتها، ما دام المغرب يعتمد اقتصاد السوق ويحتكم إلى مؤسسات دستورية مستقلة.
وأوضح الوزير أن قطاع الصحافة عرف تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من نماذج حزبية أو تابعة للدولة إلى مقاولات مستقلة قائمة على منطق اقتصادي تنافسي.
وأضاف بنسعيد أن من غير الممكن أن تفرض الدولة على الفاعلين الاقتصاديين كيفية تدبير استثماراتهم أو وجهة إنفاقهم الإعلاني، معتبرا أن الإشهار يخضع لقواعد العرض والطلب، وأن المقاولات التي تحظى بإقبال أكبر هي التي تستقطب الاستثمارات.
وأشار بنسعيد إلى أن الوزارة نظمت لقاء لمناقشة تأثير الرقمنة وصعود المنصات العالمية الكبرى على السوق الوطني، وما ترتب عن ذلك من انعكاسات على المقاولات الإعلامية الوطنية ومؤسسات القطب العمومي، مؤكدا أن هذا النقاش يروم دراسة التحولات الجارية واستكشاف مدى الحاجة إلى إجراءات تنظيمية أو تعديلات تشريعية، مع الحفاظ على مبدأ حرية السوق وعدم المس باستقلالية الفاعلين.
وفي ما يتعلق بالإشكالات الاجتماعية التي يثيرها عدد من الصحافيين، شدد الوزير على أن الصحافي أجير في القطاع الخاص وليس موظفا لدى الدولة، باستثناء حالات خاصة، ما يجعل معالجة الملفات الاجتماعية من اختصاص الهيئات النقابية والتمثيلية، موضحا أنه يتعامل، بصفته الحكومية، مع الهيئات المنتخبة وممثلي الناشرين والصحافيين، وأن أي تعديل قانوني يمر عبر مسار تشاوري ينسجم مع منطق الديمقراطية، لافتا، إلى أنه منذ سنة 2021 دعا مختلف المكونات المهنية إلى التوافق وتقديم تصور مشترك، غير أن غياب الإجماع أحيانا يدفع الوزارة إلى اقتراح حلول وسط لضمان استمرارية المرفق وتطوير الإطار القانوني.
وبخصوص وضعية المجلس الوطني للصحافة، أكد بنسعيد أن تدخل الحكومة جاء لتفادي فراغ إداري وقانوني، مبرزا أن الهدف كان ضمان استمرارية المؤسسة إلى حين تنظيم الانتخابات.
وأضاف وزير الثقافة والشباب والتواصل، أن النص القانوني خضع لنقاش موسع، غير أن المحكمة الدستورية سجلت ملاحظات همت بعض المواد واعتبرتها غير مطابقة للدستور، وهو ما استدعى إدخال تعديلات احتراما لقرارها، في إطار ما وصفه بدولة المؤسسات التي تراقب وتصحح المسار.
أما بخصوص الدعم العمومي، فأعلن الوزير عن اعتماد مرسوم جديد يربط الاستفادة منه باحترام معايير دقيقة، تشمل التصريح بالعاملين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأداء واجبات التأمين والتقاعد، إضافة إلى الالتزام بالاتفاقات الاجتماعية، بما فيها الزيادات في الأجور، مشددا على أن أي مقاولة لا تحترم هذه الشروط لن تستفيد من الدعم في السنة الموالية بقوة القانون، مشيرا إلى أن لا سلطة للوزير أو للإدارة في تجاوز هذه الضوابط إذا لم تُستوف الشروط.
وأكد محمد المهدي بنسعيد على أن النقاش الجاري حول القوانين المنظمة للقطاع يتم في إطار ديمقراطي عادي داخل البرلمان، بمشاركة الأغلبية والمعارضة، نافيا وجود أي نية للتضييق على المهنة أو المس باستقلاليتها، ومشددا على أن الهدف هو تطوير المنظومة الإعلامية الوطنية وتعزيز حكامتها في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع.
وبهذا يكون بنسعيد قد وضع الكرة في مرمى الفاعلين المهنيين والفرق البرلمانية، مبرزا أن زمن الاستثناء في تدبير المجلس الوطني للصحافة قد شارف على النهاية بانتظار ما ستسفر عنه المسطرة التشريعية في البرلمان.
ومع ترقب الجسم الصحفي لإخراج القوانين الجديدة للوجود، يظل السؤال المطروح: هل سينجح المهنيون في تجاوز انقساماتهم لتقديم بديل ديمقراطي يعيد للمؤسسة هيبتها، أم أن المحكمة الدستورية ستظل تلاحق أي نص قانوني لا يستوفي شروط التنظيم الذاتي كما نص عليها دستور المملكة؟