في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة في المنطقة، ينعقد اليوم الاثنين، 26 من يناير الجاري، اجتماع الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة المغربية–السنغالية بالرباط، في خطوة تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، في سياق معقد، خاصة بعد الاحداث التي أعقبت نهائي كأس امم إفريقيا بين المغرب والسنغال، بعد محاولة الأخيرة الانسحاب من النهائي كشكل احتجاجي على قرار تحكيمي، وما تلا ذلك من تداعيات قانونية، ومناوشات بين الجماهير.
وتطرح هذه المناسبة تساؤلات عن سياقها، وما قد يترتب عنها، وهل لها علاقة بالأحداث الرياضية المذكورة، وكيف يمكن لهذه الشراكة المتجذرة تاريخيا، والممتدة إلى البعد الاقتصادي، التعليمي، الثقافي والديني، أن تواصل تعزيز التعاون الاستراتيجي وتجاوز أي توترات ظرفية، سواء سياسية أو رياضية؟
في هذا السياق يرى محمد أشلواح، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “انعقاد هذه الدورة يندرج في إطار علاقات “عميقة ومتجذرة تاريخيا”، تتجاوز السياقات الظرفية والتوترات العابرة، بما فيها تلك المرتبطة بالمجال الرياضي.
وأوضح أشلواح، في تصريح لـ”بلبريس”، أن “العلاقات بين المغرب والسنغال تعود إلى ما قبل مرحلة الاستقلال، حيث ارتبط البلدان بروابط ثقافية وروحية قوية، خاصة من خلال الامتداد التاريخي للزوايا الصوفية، وعلى رأسها الطريقة التيجانية الصوفية، التي شكلت جسرا للتواصل الدائم بين المجتمعين المغربي والسنغالي، مضيفا أن هذا البعد التاريخي تعزز لاحقا بعلاقات سياسية ودبلوماسية منتظمة، جعلت من السنغال أحد أقرب الشركاء للمغرب في إفريقيا الغربية، موضحا أن التعاون بين البلدين ظل مستقرا حتى في الفترات التي عرفت تحولات إقليمية ودولية كبرى”.
وأشار المتحدث إلى “البعد التعليمي والثقافي”، مؤكدا أن “العديد من الطلبة المغاربة يدرسون حاليا في الجامعات السنغالية، وأن الزوايا الصوفية في المغرب تستقبل طلبة وفاعلين دينيين من السنغال، ما يعكس عمق الروابط المجتمعية والدينية ويعزز تبادل الخبرات الثقافية والعلمية بين الشعبين”.
وفي الشق الاقتصادي، أكد أشلواح أن “الشراكة المغربية-السنغالية شهدت تطورا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، عبر توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية في مجالات حيوية، من قبيل: الاستثمار، الفلاحة، الصيد البحري، البنية التحتية، التكوين المهني، الخدمات المالية، والطاقة المتجددة”.
وأشاد المتحدث “بالوجود القوي للمقاولات المغربية في السوق السنغالية، خصوصا في قطاعات الأبناك، التأمين، والاتصالات؛ مشيرا إلى أن انعقاد اللجنة العليا المشتركة يشكل آلية مؤسساتية أساسية لمتابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات وتحيينها بما يتوافق مع التحولات الاقتصادية الإقليمية، كما يفتح المجال أمام إبرام اتفاقيات جديدة ضمن شراكات أوسع على المستويات الإفريقية والمتوسطية”.
واستحضر أشلواح الدلالة السياسية القوية لإلقاء الملك محمد السادس خطاب العرش من العاصمة دكار بتاريخ 6 نوفمبر 2016، معتبرا أن هذا الحدث لم يكن بروتوكوليا فحسب، بل حمل رسالة واضحة حول عمق الثقة بين قيادتي البلدين ومكانة السنغال كشريك استراتيجي للمغرب في المنطقة.
وأضاف أن “العلاقات المغربية-السنغالية تمتد أيضا إلى البعد الديني والثقافي، موضحا أن الطرق الصوفية، وعلى رأسها الطريقة التيجانية، لعبت دورا محوريا في تعزيز التواصل بين الشعبين، سواء عبر تبادل العلماء والمريدين أو تنظيم الأيام الثقافية والدينية المشتركة، مؤكدا أن الزوايا السنغالية في المغرب تستقبل الطلبة والفاعلين الدينيين من السنغال، ما يسهم في تبادل الخبرات الروحية والثقافية، ويقوي روابط الأخوة والتعاون بين البلدين”.
وبخصوص التوتر الرياضي الذي طبع العلاقات مؤخرا، على هامش منافسات كأس الأمم الأفريقية 2025، شدد أستاذ العلاقات الدولية على أن “الرياضة مجال تنافسي بطبيعته، ولا ينبغي إسقاطه على العلاقات بين الدول”، مؤكدا أن العلاقات المغربية-السنغالية “أقوى من أن تتأثر بنتائج أو أحداث رياضية ظرفية”، لاسيما في ظل التأكيد الملكي على الفصل بين المنافسة الرياضية والمسارات الدبلوماسية والسياسية.
وخلص إلى أن “اجتماع اليوم يشكل فرصة لتجديد التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، وإرسال رسائل طمأنة بخصوص استمرار التعاون الاستراتيجي بين الرباط ودكار، بعيدا عن أي توترات عابرة، مع دعم الجوانب التعليمية والثقافية والدينية التي تعزز الروابط بين شعبي البلدين”.