حجيرة يكشف اختلالات التصدير بالمغرب ويعلن مراجعة اتفاقيات التبادل الحر

كشف عمر حجيرة، كاتب الدولة لدى وزير الصناعة والتجارة المكلف بالتجارة الخارجية، عن توجه حكومي جديد لتعزيز الصادرات المغربية وتقليص العجز التجاري، من خلال مراجعة اتفاقيات التبادل الحر، وتشجيع التصنيع المحلي لتعويض الواردات، وتوسيع الأسواق الخارجية، مع إيلاء اهتمام خاص للمقاولات الصغرى والصغيرة جداً والمتوسطة وتحقيق العدالة المجالية في مجال التصدير.

 

وأوضح حجيرة، خلال تعقيبه على مداخلات النواب البرلمانيين بمجلس النواب، أن برنامج دعم التجارة الخارجية، الذي انطلق في 28 ماي 2025، استقبل خلال سنته الأولى أكثر من 500 طلب للاستفادة، شملت مقاولات من مختلف الأحجام والجهات، مشيراً إلى أن هذه الحصيلة تشكل بداية لتنزيل استراتيجية تستهدف توسيع قاعدة المقاولات المصدرة.

 

وسجل المسؤول الحكومي استمرار التفاوت المجالي في الاستفادة من البرامج الموجهة للتصدير، كاشفاً أن نحو 40 في المائة من الطلبات المقدمة جاءت من جهة الدار البيضاء، رغم تنظيم لقاءات تواصلية بمختلف مناطق المملكة، شارك فيها ما يقارب ألف فاعل اقتصادي.

 

واعتبر حجيرة أن هذه الأرقام تبرز الحاجة إلى انخراط أكبر لباقي الجهات في الدينامية التصديرية، مؤكداً أن تحقيق العدالة المجالية في التجارة الخارجية لا يقتصر على توفير البرامج الحكومية، بل يتطلب كذلك تعبئة الفاعلين الاقتصاديين والسلطات الجهوية والمقاولات المحلية للاستفادة من فرص التصدير.

 

وفي هذا السياق، وجه كاتب الدولة نداءً إلى المقاولات الصغيرة جداً والتعاونيات والمنتجين المحليين بمختلف جهات المملكة، من أجل الانخراط في برنامج «باور إكسبورت» (Power Export)، مؤكداً أن فرص التصدير لا تقتصر على الصناعات الكبرى، مثل السيارات والطائرات، وإنما تشمل أيضاً المنتجات المجالية والتقليدية.

 

واستحضر في هذا الإطار منتجات العسل والزعتر وماء الورد وماء الزهر وغيرها من المنتجات المحلية القابلة للتسويق دولياً، داعياً البرلمانيين إلى المساهمة في التعريف ببرامج المواكبة لدى المقاولات والتعاونيات داخل دوائرهم الانتخابية.

 

وشدد على أن برنامج دعم التصدير لا يزال مفتوحاً أمام المقاولات الراغبة في الاستفادة، موضحاً أن خدمات المواكبة متاحة على المستوى الجهوي عبر مصالح وزارة الصناعة والتجارة.

 

وفي ما يتعلق بالاستراتيجية الحكومية الجديدة، أعلن حجيرة عن توجه لإطلاق برامج إضافية لتعزيز الصادرات المغربية، إلى جانب مواصلة تنفيذ البرامج القائمة، بهدف معالجة الاختلالات التي تحد من تنافسية الاقتصاد الوطني وتوسيع حضور المنتجات المغربية في الأسواق الدولية.

 

وأكد أن الحكومة تعتزم إعطاء دفعة جديدة لسياسة تعويض الواردات بالإنتاج المحلي، معتبراً أن المغرب يتوفر على إمكانات تسمح بتصنيع عدد من المنتجات التي يتم استيرادها حالياً.

 

وتساءل المسؤول الحكومي عن جدوى استمرار استيراد بعض المواد الغذائية المصنعة، مستحضراً مثال رقائق البطاطس وصلصة الطماطم، رغم توفر المغرب على المواد الأولية اللازمة لإنتاجها.

 

وقال في هذا الصدد: «علاش كنجيبو الشيبس، واش ما عندناش البطاطا في البلاد؟ وعلاش كنجيبو الكيتشوب، واش ما عندناش مطيشة؟»، في إشارة إلى ضرورة تشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية والغذائية وتعزيز القيمة المضافة للإنتاج الوطني.

 

وأوضح أن هذا التوجه يستدعي تنسيقاً أكبر بين قطاعات الصناعة والتجارة الخارجية والاستثمار، إلى جانب إشراك القطاع الخاص في تحديد المشاريع ذات الأولوية، بما يسمح بتقليص الاعتماد على بعض المنتجات المستوردة.

 

وفي ملف اتفاقيات التبادل الحر، كشف حجيرة أن الحكومة تعتزم إجراء تقييم معمق للاتفاقيات التجارية التي تربط المغرب بشركائه الدوليين، والبالغ عددها، بحسب معطياته، 12 اتفاقية تشمل نحو 100 دولة.

 

وأشار إلى أن هذه الاتفاقيات لا تحقق جميعها النتائج نفسها، موضحاً أن بعضها يعود بمكاسب اقتصادية مهمة، في حين لم تحقق اتفاقيات أخرى الأهداف المرجوة منها.

 

وأكد أن الحكومة ستعمل على فتح نقاشات جديدة مع الشركاء التجاريين، خصوصاً البلدان التي يسجل المغرب معها عجزاً تجارياً، من أجل إعادة تقييم شروط التعاون والبحث عن صيغ تحقق مصالح اقتصادية أكثر توازناً.

 

واستدرك المسؤول الحكومي بأن تقييم اتفاقيات التبادل الحر لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام التجارية وحدها، نظراً لارتباطها كذلك بأبعاد اقتصادية واستراتيجية أخرى تتجاوز المبادلات المباشرة للسلع والخدمات.

 

وعلى مستوى تنويع الأسواق، أبرز حجيرة أن المغرب شرع في استكشاف فرص تصديرية جديدة بأمريكا الجنوبية وآسيا، مستحضراً زيارات إلى بنما والشيلي وإندونيسيا، بهدف فتح آفاق إضافية أمام المقاولات المغربية.

 

وأشار إلى الإمكانات التي يوفرها السوق الإندونيسي، خصوصاً في مجال المنتجات الحلال، مؤكداً أن التوجه نحو الأسواق الجديدة سيستمر خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع الحفاظ على الشراكات التقليدية للمغرب.

 

وفي السياق ذاته، شدد على أن القارة الإفريقية تمثل إحدى الأولويات الأساسية للسياسة التجارية الخارجية، بالنظر إلى العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية التي تربط المغرب بعدد من بلدانها، والإمكانات التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

 

وكشف حجيرة عن توفر منظومة التأمين الموجهة لدعم الصادرات نحو الأسواق الإفريقية على غلاف إضافي يبلغ 100 مليون درهم، لم يتم استهلاكه بالكامل بعد، داعياً إلى تعزيز التواصل مع القطاع الخاص للتعريف بهذه الآلية وتشجيع المقاولات على اقتحام الأسواق الإفريقية.

 

وأوضح أن تطوير المبادلات التجارية مع الدول الإفريقية يتطلب توفير أدوات المواكبة وتقليص المخاطر المرتبطة بالتصدير، إلى جانب الاستفادة من فرص التكامل الاقتصادي التي يوفرها فضاء التجارة الحرة القارية.

 

كما أشار إلى تقدم بعض المشاريع المرتبطة برقمنة التجارة الخارجية، معلناً انطلاق تجربة أولية تشمل 300 مقاولة، في إطار التعاون مع فاعلين مؤسساتيين وأكاديميين وكفاءات مغربية، بهدف تطوير أدوات رقمية تسهل الولوج إلى الأسواق.

 

وأكد أن هذه المشاريع توجد في مراحل تجريبية، وأن تعميمها يستدعي التأكد من فعاليتها قبل توسيع نطاق المستفيدين.

 

ومن جهة أخرى، اعترف حجيرة بالتراجع الذي يعرفه قطاع النسيج في بعض الأسواق الأوروبية التقليدية، نتيجة اشتداد المنافسة الدولية، مشيراً إلى أن القطاع لم يعد يحقق مستويات الأداء التصديري نفسها التي كان يسجلها سابقاً.

 

وأعلن في هذا الإطار عن توجه لعقد لقاءات مع المهنيين لتشخيص أسباب التراجع والبحث عن حلول عملية تمكن من استعادة التنافسية، مؤكداً أن الاهتمام بصناعات السيارات والطيران لا يعني إهمال القطاعات التقليدية التي تشكل جزءاً مهماً من النسيج الاقتصادي الوطني.

 

وفي سياق متصل، أثار المسؤول الحكومي إشكالية النقص في اليد العاملة التي تواجه بعض الأنشطة الفلاحية، مستحضراً وضعية إنتاج الزيتون بإقليم تاوريرت، حيث تحدث عن صعوبات في توفير العمال لجني المحصول.

 

وأوضح أن أحد المصدرين أثار معه إمكانية استقدام اليد العاملة من الخارج، رغم تسجيل مستويات مرتفعة من البطالة بجهة الشرق، وهو ما اعتبره مفارقة اقتصادية واجتماعية تستدعي المعالجة.

 

وأكد أن مثل هذه الإشكاليات تتطلب نقاشاً حكومياً وبرلمانياً لتحديد أسباب عدم التوافق بين حاجيات سوق الشغل والموارد البشرية المتاحة، والبحث عن حلول تضمن استغلال فرص العمل الموجودة.

 

وفي رده على بعض الانتقادات البرلمانية، شدد حجيرة على أن المنجزات الصناعية والتجارية التي حققها المغرب هي نتيجة تراكم سياسات ومجهودات الحكومات المتعاقبة، وليست حصيلة حكومة بعينها.

 

وأكد أن المرحلة المقبلة ستقوم على مواصلة البرامج التي أثبتت نجاعتها ومراجعة المبادرات التي لم تحقق النتائج المنتظرة، معتبراً أن استمرارية السياسات العمومية تظل ضرورية لإنجاح المشاريع الاقتصادية الكبرى.

 

واختتم كاتب الدولة مداخلته بالتأكيد على أن الحكومة ستكثف المشاورات مع القطاع الخاص لتحديد أولويات المرحلة المقبلة، مشدداً على أن نجاح استراتيجية التصدير وتعويض الواردات يظل رهيناً بانخراط المقاولات الوطنية باعتبارها الفاعل الأساسي في الإنتاج والاستثمار وخلق فرص الشغل.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *