شهد مجلس المستشارين معركة تشريعية حامية الوطيس، انتهت بضربة قاضية وجّهها المستشارون لثلاثة مقترحات قوانين تقدمت بها الفرق البرلمانية لإعادة تنظيم ومنع التدخين في الأماكن العمومية.
ورغم الآمال العريضة التي عقدتها الأوساط الصحية والشارع المغربي على هذه المقترحات لتشديد الخناق على الظاهرة، وتوسيع نطاق الحظر القانوني ليشمل الوسائل الحديثة والمستجدة مثل “الشيشة” والسيجارة الإلكترونية، إلا أن رياح التصويت جرت عكس المتوقع، لتسقط المقترحات الثلاثة جملة وتفصيلاً وتظل حبيسة الأدراج.
استهلت الجلسة الحاسمة أشغالها برفض المقترح الأول، والذي كان يرمي إلى تغيير وتتميم القانون التاريخي الصادر في 26 يونيو 1995 المتعلق بمنع التدخين والإشهار والدعاية للتبغ.
وبدت ملامح الممانعة واضحة منذ البداية داخل قبة المجلس؛ إذ اصطدم المقترح بجدار صلب بعدما صوّت 31 مستشاراً بالمعارضة، في حين لم يتمكن من حصد سوى 6 أصوات مؤيدة، واختار 4 مستشارين الوقوف في منطقة الحياد عبر الامتناع عن التصويت.
ولم يكن مصير مقترح القانون الثاني بأفضل حال، وهو المتعلق بتتميم القانون رقم 15.91 لمنع التدخين في بعض الأماكن؛ حيث استنسخت خارطة التصويت الأرقام ذاتها، ليعلن رئيس الجلسة رسمياً سقوط المقترح الثاني.
أما ذروة الإثارة والترقب، فقد تجسدت عند الانتقال لمناقشة مقترح القانون الثالث والأخير، والذي كان يُعد الأكثر جرأة وتشدداً، نظرًا لاستهدافه المباشر منع استهلاك وتدخين “الشيشة”، و”السيغار،” والسيجارة الإلكترونية، مع تجريم الإشهار والدعاية لها في الأماكن العمومية.
واللافت أن النقاش حول هذا المقترح لم يخلُ من تفاعلات طريفة لا سيما عند إثارة تفاصيل منع “السيغار”. حيث تدخل الوزير وهبي مازحا ” واش حتى السيݣار ممنوع!؟” غير أن تلك الأجواء الفكاهية لم تغير من الموقف الحازم للأغلبية الرافضة؛ فمع اللجوء إلى مسطرة التصويت مادة بمادة، من الأولى حتى السادسة عشرة، انهار الدعم للمقترح بشكل أكبر، لينكمش عدد المؤيدين له إلى مستشارين اثنين فقط، مقابل تكتل 31 مستشاراً في المعارضة، وارتفاع عدد الممتنعين إلى 8 مستشارين، وهي النتيجة الكفيلة بإعلان الرفض التام للمقترح برمتّه.
بهذا “الفيتو”البرلماني والإسقاط الجماعي للمشاريع الثلاثة، نجح مستهلكو الشيشة والسيجارة الإلكترونية في الإفلات من مقصلة المنع والتشريع الصارم داخل مجلس المستشارين.
وفي المقابل، تفتح هذه الخطوة الباب مجدداً أمام تساؤلات حارقة من قِبل الفاعلين الجمعويين والمهتمين بالصحة العامة حول الخلفيات الحقيقية وراء هذا الرفض النيابي الواسع، والبدائل المتاحة لتطويق الفراغ التنظيمي الذي باتت تفرضه المنتجات الإلكترونية والتبغية الحديثة في الفضاءات العامة.