سالم عبد الفتاح يفكك رسالة وطريق ترامب وأثرهما على ملف الصحراء (حوار)

يشهد ملف الصحراء المغربية خلال المرحلة الراهنة دينامية دبلوماسية متسارعة، في ظل تزايد المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها إطارًا لتسوية هذا النزاع الإقليمي. وتأتي هذه التطورات في سياق تحولات إقليمية ودولية متلاحقة، جعلت القضية تدخل مرحلة جديدة تتسم بتعزيز الشراكات الاستراتيجية للمملكة، وتنامي الاهتمام الدولي بالأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً للاستثمار والتنمية والتعاون الإقليمي.

وفي هذا السياق، أثارت الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس اهتمامًا واسعًا، بعدما جددت التأكيد على الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، واعتبرت مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد للتوصل إلى حل دائم لهذا النزاع.

كما تزامنت هذه المستجدات مع قرار إطلاق اسم الرئيس الأمريكي على الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، إلى جانب تفاعله العلني مع مشروع الطريق عبر منصاته الرقمية، وهي خطوات حملت أبعادًا سياسية ودبلوماسية وإعلامية، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول انعكاساتها على مستقبل القضية ومسارها داخل الأمم المتحدة، وعلى طبيعة الشراكة المغربية الأمريكية في المرحلة المقبلة.

وفي خضم هذه التطورات، تبرز تساؤلات حول دلالات الرسائل السياسية التي تحملها هذه المواقف، ومدى تأثيرها على موازين الملف، وآفاق المسار الأممي، وإمكانية انعكاسها على مواقف عدد من الدول التي تتابع تطورات القضية عن كثب.

للإجابة عن هذه الأسئلة، أجرت جريدة بلبريس هذا الحوار مع الباحث المهتم بملف الصحراء رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحوق الإنسان، محمد سالم عبد الفتاح، لاستقراء أبعاد هذه المستجدات، وقراءة انعكاساتها السياسية والدبلوماسية على مستقبل ملف الصحراء المغربية.

كيف تقرأ الرسالة الجديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس، وما دلالاتها بالنسبة للموقف الأمريكي من قضية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي؟

يمكن قراءة رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس باعتبارها حلقة جديدة في مسار التطور الذي عرفه الموقف الأمريكي من قضية الصحراء خلال السنوات الأخيرة، لكنها تحمل في الوقت ذاته مؤشرات سياسية تتجاوز مجرد تجديد الموقف السابق.

فالرسالة لم تقتصر على إعادة التأكيد على اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، بل استخدمت صياغات أكثر وضوحا عندما اعتبرت مبادرة الحكم الذاتي “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل عادل ودائم، مع التشديد على أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولا، وأن هذا النزاع “يجب أن ينتهي الآن”.

المحلل السياسي، محمد سالم عبد الفتاح

هذه العبارات تعكس انتقال واشنطن من الاكتفاء بتثبيت موقفها إلى التعبير عن إرادة سياسية للدفع نحو تسريع المسار الأممي وإنهاء نزاع طال أمده.

ورغم أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء يعود إلى القرار التاريخي الذي اتخذته واشنطن سنة 2020، فإن أهمية الرسالة الحالية تكمن في أنها تؤكد استمرارية هذا الموقف داخل الإدارة الأمريكية، وتمنحه زخما سياسيا جديدا في ظرفية دولية تعرف تحولات متسارعة في الملف.

كما أنها تأتي بعد سلسلة من المواقف الدولية المؤيدة للمبادرة المغربية، من بينها الموقف الفرنسي الصريح، والدعم البريطاني، واتساع دائرة التأييد داخل إفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، فضلا عن القرارات الأخيرة لمجلس الأمن التي كرست مرجعية مبادرة الحكم الذاتي كأساس وحيد للتفاوض.

لذلك، فإن الرسالة تندرج ضمن دينامية دولية متنامية تعزز موقع المبادرة المغربية داخل النقاش الدولي.

كما أن تجديد واشنطن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها “الأساس الوحيد” للحل يحمل دلالة سياسية وقانونية مهمة، لأنه يعكس تقلص مساحة الخيارات الأخرى التي كانت تطرح في السابق، ويوجه رسالة واضحة إلى الأطراف المعنية بأن المجتمع الدولي بات يميل بصورة متزايدة إلى الحلول الواقعية والقابلة للتنفيذ.

ويتقاطع هذا الموقف مع المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، والذي أصبح يركز على استئناف العملية السياسية على أساس المرجعيات التي أرستها قرارات مجلس الأمن، مع تزايد القناعة بأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الإطار الأكثر قابلية لتحقيق تسوية نهائية.

وتكتسب الرسالة أيضا أهمية خاصة لأنها لم تربط قضية الصحراء بالبعد السياسي فقط، وإنما أدرجتها ضمن رؤية أشمل للشراكة المغربية الأمريكية، من خلال الإعلان عن تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، بما في ذلك في الأقاليم الجنوبية، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع وأمن منطقة الساحل.

ويعكس ذلك توجها أمريكيا نحو الانتقال من دعم سياسي معلن إلى مواكبة عملية للجهد التنموي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية، بما يعزز مكانة هذه الأقاليم باعتبارها فضاء للاستثمار والاستقرار والتعاون الدولي.

ما الدلالات السياسية والدبلوماسية لتسمية طريق تيزنيت–الداخلة باسم الرئيس الأمريكي، وما الرسائل التي تعكسها هذه الخطوة بشأن الشراكة المغربية الأمريكية والتنمية بالأقاليم الجنوبية؟

قرار إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع تيزنيت الداخلة يشكل خطوة ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية تتجاوز الطابع الرمزي لتسمية مرفق عمومي.

فهذا القرار يأتي في سياق خاص يتسم بتزايد الدعم الأمريكي لمغربية الصحراء، وتجديد واشنطن اعترافها بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، وتأكيدها أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الأساس الوحيد لتسوية النزاع.

ومن ثم فإن التسمية تحمل دلالة واضحة مفادها أن المغرب ينظر إلى الموقف الأمريكي باعتباره محطة مفصلية في مسار تطور القضية، وأنه يحرص على تثمين الشركاء الذين ساهموا في إحداث تحول داخل موازين الملف على المستوى الدولي.

كما تعكس هذه الخطوة مستوى غير مسبوق من متانة الشراكة المغربية الأمريكية، إذ لم تعد العلاقات بين البلدين تقتصر على التعاون التقليدي في المجالات الأمنية والعسكرية، وإنما أصبحت تمتد إلى الملفات الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء.

ولذلك يمكن اعتبار هذه المبادرة رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الاعتراف الأمريكي ليس موقفا ظرفيا أو معزولا، بل أصبح جزءا من شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية.

كما أنها تعكس ثقة المغرب في استمرارية هذا التوجه، خاصة في ظل التقارب المتزايد بين الرباط وواشنطن حول قضايا الأمن الإقليمي، والاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه تكتسب التسمية دلالة خاصة بالنظر إلى طبيعة الطريق نفسه، الذي يعد أحد أكبر المشاريع المهيكلة التي أنجزت في إطار النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية.

فهذا المحور الطرقي الممتد على أكثر من ألف كيلومتر، بات ركيزة أساسية في الاستراتيجية الاقتصادية للمغرب، من خلال ربط الأقاليم الجنوبية بمعبر الكركارات، وميناء الداخلة الأطلسي، والأسواق الإفريقية، بما يعزز مكانة المنطقة كمركز لوجستي واستثماري يربط أوروبا بغرب إفريقيا.

وتنسجم هذه الدينامية مع الرؤية الملكية التي جعلت من ادماج الأقاليم الجنوبية إحدى أهم أدوات تثبيت السيادة وحسم النزاع المفتعل.

فإلى جانب الطريق السريع، تشهد الأقاليم الجنوبية إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الموانئ، والطاقات المتجددة، وتحلية المياه، والصناعة، والاقتصاد الأزرق، وهو ما جعل عددا متزايدا من الشركاء الدوليين ينظرون إلى المنطقة باعتبارها فضاء للاستثمار والاستقرار، وليس مجرد منطقة نزاع.

ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق اسم الرئيس الأمريكي على هذا المشروع يربط بصورة مباشرة بين التحول الدبلوماسي الذي عرفه الملف والتحول التنموي الذي تشهده الأقاليم الجنوبية، ويعكس رؤية مغربية تعتبر أن الاعتراف الدولي بالسيادة يجد ترجمته العملية في مشاريع تنموية كبرى تعزز حضور الدولة وتفتح آفاقا جديدة للتعاون الدولي.

ما الأبعاد السياسية والدبلوماسية لنشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للفيديو الخاص بطريق “تيزنيت-الداخلة” ، وما مدى تأثير ذلك على مواقف المجتمع الدولي من قضية الصحراء المغربية؟

هذه الخطوة تكتسب أهمية سياسية بالغة، فتفاعل دونالد ترامب مع مشروع يوجد في الأقاليم الجنوبية للمملكة يمكن قراءته باعتباره مؤشرا على استمرار الاهتمام الأمريكي بهذا الملف، وعلى الرغبة في إبقاء الموقف الأمريكي الداعم للمغرب حاضرا في المجال العام، وليس فقط داخل القنوات الدبلوماسية الرسمية.

كما أن نشر هذا النوع من المحتوى ينسجم مع الرسائل التي تضمنتها برقية ترامب إلى الملك محمد السادس، والتي أعادت التأكيد على الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ووصفت مبادرة الحكم الذاتي بأنها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل دائم.

وإذا كانت الرسالة الرسمية تعبر عن موقف الدولة الأمريكية، فإن التفاعل العلني عبر المنصات الرقمية يضيف بعدا سياسيا وإعلاميا، لأنه يوجه الخطاب إلى جمهور دولي واسع، ويمنح هذا الموقف حضورا أكبر داخل النقاش العام، خصوصا في ظل التنافس المتزايد حول التأثير في الرأي العام الدولي بشأن قضية الصحراء.

وفي المقابل ينبغي عدم المبالغة في الأثر القانوني أو الدبلوماسي لهذا التفاعل، لأن تغيير مواقف الدول لا يتم عادة بسبب منشور أو فيديو، وإنما يرتبط بحسابات استراتيجية ومصالح سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.

غير أن مثل هذه المبادرات قد تسهم في تعزيز الزخم الذي راكمه المغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة عندما تصدر عن دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتنسجم مع مواقفها الرسمية المعلنة.

كما يمكن أن تشجع بعض الدول المترددة على الاقتراب أكثر من المقاربة المغربية، في سياق يشهد اتساع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي وتزايد القناعة الدولية بأولوية الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق.

ومن ثم فإن أهمية هذا التفاعل تكمن في كونه يندرج ضمن سلسلة من المؤشرات السياسية والدبلوماسية التي تعكس استمرار الزخم الذي يحظى به الموقف المغربي داخل عدد من العواصم المؤثرة.

وعندما يقترن هذا التفاعل بتجديد الاعتراف الأمريكي، وبالدعم المتواصل لمبادرة الحكم الذاتي، وبالحديث عن تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري في الأقاليم الجنوبية، فإنه يعزز الانطباع بأن ملف الصحراء أصبحت جزءا من شراكة استراتيجية أوسع بين الرباط وواشنطن، وهو ما يمنح المغرب رصيدا إضافيا في تدبير هذا الملف على المستوى الدولي.

إلى أي حد تمثل هذه التطورات مكسبًا دبلوماسيًا للمغرب، وما انعكاساتها المحتملة على مسار الأمم المتحدة ومستقبل قضية الصحراء على المستوى الدولي؟

يمكن اعتبار هذه التطورات امتدادا للدينامية الدبلوماسية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفي الوقت نفسه مكسبا سياسيا جديدا يعزز موقعه داخل مسار تدبير ملف الصحراء.

فالرسالة الأمريكية الأخيرة، وما رافقها من مواقف داعمة ومبادرات ذات رمزية سياسية، لا تأتي بمعزل عن سلسلة من التحولات التي شهدها الملف.

وتؤشر هذه التطورات إلى أن المملكة تراكم عناصر جديدة تعزز موقعها التفاوضي وتكرس المبادرة المغربية باعتبارها المرجعية الأكثر حضورا داخل النقاش الدولي.

وعلى مستوى الأمم المتحدة، من المنتظر أن تضيف هذه المستجدات زخما جديدا للمسلسل السياسي الذي يقوده المبعوث الشخصي للأمين العام، خاصة في ظل المرجعية التي أرساها قرار مجلس الأمن رقم 2797، والذي كرس، مرحلة جديدة تقوم على إشراك الأطراف الأربعة في مفاوضات تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي.

كما أن تزايد الدعم الدولي للمبادرة المغربية من شأنه أن يعزز الاتجاه الداعي إلى التركيز على الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق، بدل العودة إلى مقاربات أثبتت التجربة محدودية فعاليتها.

صحيح أن الأمم المتحدة تظل فضاء لتوازنات معقدة، وأن مواقف الدول لا تتغير بالسرعة نفسها، إلا أن تراكم المواقف المؤيدة للمغرب يساهم تدريجيا في إعادة تشكيل البيئة السياسية التي يتحرك داخلها المسلسل الأممي.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فمن المرجح أن تدفع هذه الدينامية عددا من الدول إلى إعادة تقييم مواقفها أو الانتقال من الدعم الضمني إلى التعبير العلني عن تأييدها للمبادرة المغربية، خاصة في ظل تنامي الاقتناع بأن استمرار النزاع يعيق الاندماج المغاربي ويؤثر على استقرار منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

كما أن اقتراب الاستحقاقات الأممية المقبلة، سواء اجتماعات مجلس الأمن أو المباحثات التي يشرف عليها المبعوث الشخصي، سيجعل من هذه المواقف عاملا مؤثرا في مناخ النقاش الدولي، حتى وإن ظلت القرارات النهائية رهينة بالتوافقات داخل مجلس الأمن.

ومن ثم، يمكن القول إن الملف يتجه نحو مرحلة تختلف عن المراحل السابقة، ليس لأن النزاع اقترب بالضرورة من نهايته، وإنما لأن طبيعة النقاش الدولي حوله تشهد تحولا تدريجيا.

فقد انتقل التركيز من البحث عن صيغ نظرية لتسوية النزاع إلى مناقشة كيفية تفعيل حل سياسي واقعي، في ظل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتزايد الاهتمام بالمشاريع التنموية الكبرى التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، وتعاظم ارتباط ملف الصحراء باعتبارات الأمن الإقليمي، والتنمية، والشراكات الاستراتيجية.

وإذا استمرت هذه الدينامية، فإن المرحلة المقبلة قد تتسم بترسيخ المكتسبات التي حققها المغرب في سياق حسم وانهاء النزاع المفتعل لصالح واقع السيادة المغربية، مع تكثيف الجهود الأممية لإيجاد تسوية سياسية مستدامة وفق مرجعية مبادرة الحكم الذاتي التي أضحت تحظى بدعم متزايد داخل المجتمع الدولي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *