تتجه الأنظار مجددا نحو الشريط الحدودي الفاصل بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، على خلفية تجدد المنشورات والدعوات الرقمية الداعية لتنظيم محاولات عبور جماعي غير قانوني يوم 15 غشت الجاري؛ وفي الوقت الذي ترفع فيه الأجهزة الأمنية المغربية درجة الاستنفار لمواجهة هذه التحركات، يتجاوز النقاش البُعد الميداني الصرف ليُسائل طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا، وحدود التداخل بين ملف تدبير الحدود والملف التاريخي الحساس المتعلق بالسيادة على الثغور المحتلة.
وتأتي هذه الدعوات الرقمية في وقت أظهرت فيه السلطات العمومية قدرة عالية على الاستباق الأمني والتصدي الزجري للمحرضين، حيث أصبحت القدرة التجييشية لهذه الحملات تفتقر إلى النجاعة والواقعية بالنظر إلى تحول وعي الشارع وتطوير الآليات القانونية والقضائية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور خالد الشيات،الخبير في العلاقات الدولية أن دعوات العبور الحالية مدفوعة بجانبين موضوعيين أصبحت قدرتهما التأثيرية ضعيفة جدا؛ الأول مرتبط بالتحريض الخارجي الذي لم يعد يملك أدوات جديدة للإقناع، والثاني يتعلق بالتحريض الداخلي، سواء الصادر عن أفعال واعية بأبعادها السياسية أو غير واعية من طرف أشخاص تمت متابعتهم قضائيا.
وأضاف الشيات، في تصريح خص به “بلبريس” أن المقتضيات القانونية الصارمة، إلى جانب الأحكام القضائية الصادرة في إسبانيا والتي لم تعد تسمح باستخدام العبور كذريعة قانونية للبقاء أو الحصول على وضعية الحماية، أسهمت جميعها في تراجع الجاذبية النفسية والواقعية لعملية العبور غير القانوني. وبناء عليه، يستبعد أن تحدث حركة 15 غشت أثراميدانيا يشبه محاولات سابقة استغلت ظروفا خاصة لتمرير أجنداتها.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية أنه على صعيد العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، تطرح هذه التطورات الميدانية تساؤلات حول مدى تأثير التوتر الحدودي على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، خاصة في ظل تقاطع ملف الهجرة مع الخطاب السياسي المتصل بالسيادة الترابية، مضيفا أن هذه الأحداث لن تؤثر على متانة الشراكة الاقتصادية والتجارية المتطورة بين المغرب وإسبانيا، ولا على حجم الاستثمارات الإسبانية بالمملكة.
وشدد المتحدث نفسه على أن هذه المحطات يجب أن تشكل فرصة لفتح نقاش حقيقي وصريح بين الجانبين يعالج الأسباب الموضوعية والعميقة للتوتر، وعلى رأسها قضية الأراضي المغربية المحتلة، مبرزا بذلك أن الاحتلال لا يمكن أن يكون حلا بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن إضفاء أي شرعية عليه، سواء كانت تاريخية أو سياسية، وبالتالي، يظل التفكير في المستقبل مرهونا ببدء نقاش موضوعي بين البلدين حول وضع المدينتين وباقي الثغور المحتلة.
وخلص الشيات الى التحذير من مساعي بعض القوى السياسية في مدريد لاستغلال ملف الحدود لأغراض انتخابية وسياسية ضيقة، مشيرا إلى ضرورة عدم استعمال هذه التطورات الحدودية في التجاذبات السياسية الداخلية لإسبانيا، سيما من طرف اليمين أو غيره ممن يرون في بناء سردية معادية للمغرب ورقة لتحقيق مكاسب انتخابية، لأن هكذا ممارسات لا تخدم مستقبل العلاقات الطبيعية والمستقرة بين البلدين.