تراشق الأحزاب وتبادل الاتهامات..هل تفقد السياسة المغربية ما تبقى من معناها؟

كلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفعت حرارة المنافسة بين الأحزاب، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة ديمقراطية، بل إن غياب التنافس والاختلاف في مثل هذه اللحظة كان سيبدو أكثر غرابة. لكن ما يجري في المغرب هذه الأيام، ونحن على بعد أيام قليلة من انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية يوم 10 شتنبر، يفتح نقاشاً آخر يتجاوز مجرد سخونة الخطاب الانتخابي.

فالمتابع للقاءات التواصلية والتصريحات المتبادلة بين عدد من القيادات الحزبية يلاحظ أن مساحة الحديث عن الخصوم بدأت تتسع بشكل لافت، بينما تتراجع، في المقابل، مساحة الحديث عن البرامج والبدائل وما الذي تريد هذه الأحزاب أن تفعله فعلاً إذا وصلت إلى المسؤولية. والحملة الانتخابية للتشريعيات ستنطلق رسمياً في الساعات الأولى من 10 شتنبر وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، قبل الاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر.

المنافسة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، على سبيل المثال، تكشف شيئاً من هذا التحول في الخطاب. فالحزبان اللذان جمعتهما في وقت قريب تجربة الأغلبية الحكومية أصبحا اليوم يتبادلان الانتقادات والاتهامات، وكل طرف يحاول أن يضع الآخر في موقع المسؤول عن الاختلالات أو عن جوانب من الحصيلة التي لم تكن في مستوى الانتظارات. ولا مشكلة في أن ينتقد حزب حزباً آخر، ولا في أن يدافع كل طرف عن اختياراته وحصيلته، بل إن الناخب يحتاج فعلاً إلى معرفة أين نجحت الحكومة وأين أخفقت، ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي لم تحقق النتائج المنتظرة. المشكلة تبدأ فقط عندما يصبح الخصم هو الموضوع الرئيسي للحملة، وعندما يأخذ الرد على الآخر مكان الحديث عن المستقبل.

فالمواطن الذي سيتوجه إلى صندوق الاقتراع يوم 23 شتنبر لن يصوت لكي يحسم خلافاً بين قياديين او بين حزبين، ولن يذهب إلى مركز التصويت لكي يقرر من كان أكثر بلاغة في مهاجمة خصمه. هو يريد شيئاً أكثر مباشرة: يريد أن يعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي للانتخابات، وما الذي يمكن أن يتغير في حياته. يريد أن يسمع كلاماً واضحاً عن الأسعار والقدرة الشرائية، وعن المدرسة العمومية، وعن المستشفى، وعن فرص العمل، وعن الإدارة والخدمات التي يواجهها يومياً. وهذه الأمور، التي قد تبدو في نظر السياسي مجرد ملفات ضمن برنامج انتخابي، هي بالنسبة إلى المواطن السياسة نفسها. لذلك فإن كثرة الحديث عن فشل الآخرين لا تجيب بالضرورة عن الأسئلة التي يحملها الناخب معه إلى صندوق الاقتراع.

حين يقول حزب إن خصمه فشل، ويرد عليه الخصم بأن المسؤولية تقع على الحزب الأول، ثم يدخل طرف ثالث على الخط ليقول إن الجميع يتحمل المسؤولية، يجد المواطن نفسه في نهاية المطاف أمام مشهد لا ينقصه الكلام، لكنه قد يفتقد إلى الجواب.

ولهذا فإن الخطر لا يكمن في ارتفاع منسوب الصراع السياسي، وإنما في أن يصبح الصراع نفسه هو مضمون السياسة. يمكن لحملة انتخابية أن تكون صاخبة جداً، وأن تملأ الأخبار والتصريحات ومواقع التواصل، ومع ذلك تترك المواطن في النهاية أمام السؤال نفسه الذي كان يطرحه قبل بداية الحملة: ماذا سيقدم لي هذا الحزب؟ فالشاب الذي يبحث عن عمل لن يجد في الحرب الكلامية بين الأحزاب جواباً عن مستقبله، والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة لن تتغير أوضاعها بمجرد أن ينجح حزب في إحراج خصمه أمام الكاميرات، والمواطن الذي ينتظر خدمة صحية أو إدارية أفضل لا يريد أن يعرف فقط من يتحمل مسؤولية المشكلة، وإنما يريد أن يعرف من يستطيع حلها.

وهنا يصبح الأمر مرتبطاً بأزمة أعمق من مجرد خلاف انتخابي عابر، وهي أزمة الثقة. فعندما يسمع المواطن السياسيين يتحدثون عن الفشل وسوء التدبير والاختلالات، ثم لا يسمع بالوضوح نفسه ماذا سيفعل كل طرف عندما يتحمل المسؤولية، فمن الطبيعي أن يبدأ في النظر إلى الخطاب السياسي بكثير من الشك. وليس بالضرورة أن يترجم هذا الشك في صورة موقف سياسي معلن. قد يبدأ ببساطة من اللامبالاة، ومن فقدان الرغبة في متابعة الحملة، ومن الشعور بأن الجميع يتحدث عن الجميع، بينما لا أحد يتحدث بما يكفي عن المواطن نفسه.

الناخب المغربي لا يحتاج إلى أحزاب متفقة، ولا إلى حملة انتخابية بلا خلافات، ولا إلى خطاب متشابه بين الجميع. بالعكس، من حقه أن يرى اختلافاً حقيقياً بين المشاريع والبرامج والافكار وأن يعرف لماذا يختار هذا الحزب دون غيره. لكنه يحتاج إلى اختلاف يمكن فهمه، وإلى منافسة تقوم على الاختيارات لا على الخصومة الشخصية، وعلى البدائل لا على تبادل الاتهامات. أما أن يتحول كل تجمع انتخابي إلى مناسبة للرد على حزب آخر، وأن يصبح كل تصريح مقدمة لتصريح مضاد، فإن الحملة قد تدخل في حلقة لا تنتهي، بينما يبقى المواطن متفرجاً عليها من الخارج.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن تنتبه إليه الأحزاب وهي تدخل الأيام الأخيرة قبل بداية الحملة الرسمية. فالانتخابات ليست فقط معركة من أجل المقاعد، وإنما هي أيضاً امتحان لقدرة الأحزاب على إقناع المواطنين بأن السياسة ما زالت قادرة على إنتاج حلول. وقد تكون نتيجة الانتخابات مهمة بالنسبة إلى هذا الحزب أو ذاك، لكن الأهم على المدى البعيد هو ما إذا كانت هذه الانتخابات ستترك وراءها شعوراً بأن النقاش السياسي كان مفيداً، وأن المواطن كان حاضراً فيه، وأن صوته كان جزءاً من نقاش حول مستقبل البلاد، لا مجرد رقم يحتاجه المرشحون يوم الاقتراع.

ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس فقط: من سيهاجم من، ومن سيرد على من، ومن سينجح في تسجيل النقطة السياسية الأقوى؟ السؤال الأهم هو ماذا سيبقى من كل هذا الكلام بعد إغلاق صناديق الاقتراع؟ هل سيتذكر المواطن برنامجاً واضحاً، أو وعداً محدداً، أو تصوراً سياسياً أقنعه؟ أم أن ما سيبقى في ذاكرته سيكون مجرد سلسلة من التصريحات والاتهامات والردود؟ هنا تحديداً تتحدد قيمة هذه الحملة، لأن السياسة لا تقاس فقط بقدرتها على صناعة الضجيج، وإنما بقدرتها على إقناع الناس.

لقد حان الوقت لأن تتحدث الأحزاب مع المواطن أكثر مما تتحدث عن بعضها. ليس المطلوب أن تتخلى عن النقد، ولا أن تتوقف عن كشف ما تعتبره أخطاء خصومها، ولكن عليها في الوقت نفسه أن تقول ماذا ستفعل هي. المواطن لا يريد أن يسمع فقط لماذا فشل الآخر، وإنما يريد أن يعرف لماذا ينبغي أن يثق فيك أنت. وهذه المسافة بين السؤالين هي التي تفرق في النهاية بين حملة انتخابية مليئة بالضجيج وحملة سياسية لها معنى.

انتخابات 23 شتنبر قد تنتج فائزين وخاسرين، وقد تعيد رسم موازين القوى داخل المشهد الحزبي، لكن نتيجتها الأهم ستظهر في مكان آخر: في علاقتها بثقة المواطن في السياسة. فإذا خرج المواطن من هذه الاستحقاقات وهو يشعر أن الأحزاب تنافست حول الأفكار والبرامج والقدرة على تحمل المسؤولية، فسيكون للنقاش الانتخابي معنى يتجاوز يوم الاقتراع. أما إذا انتهت الحملة كما بدأت، بسلسلة طويلة من الاتهامات والردود، فقد تكون الأحزاب قد ربحت بعض المعارك الإعلامية، لكنها لن تكون بالضرورة قد ربحت المعركة الأهم، وهي إقناع المواطن لماذا تصلح  السياسة؟؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *