مع دخول الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 مرحلة العد التنازلي، يتصاعد النقاش حول وضعية الوزراء الذين اختاروا خوض غمار المنافسة الانتخابية، وما إذا كان استمرارهم في ممارسة مهامهم الحكومية بشكل كامل ينسجم مع متطلبات الحياد وتكافؤ الفرص خلال المرحلة التي تسبق الاقتراع.
ويطرح هذا الوضع سؤالًا سياسيًا ودستوريًا يتعلق بمدى الحاجة إلى تحجيم الاختصاصات التنفيذية المباشرة للوزراء المرشحين، وتحويلهم إلى وزراء لتصريف الأعمال، بما يسمح بالفصل بين مسؤولياتهم الحكومية وحملاتهم الانتخابية، ويحد من أي شبهات محتملة بشأن استغلال النفوذ أو الإمكانيات العمومية في التنافس الانتخابي.
وفي هذا الإطار، يبرز توجه يقضي بأن يتولى الكتاب العامون للوزارات جانبًا من المهام الإدارية خلال هذه المرحلة، بما في ذلك التوقيع على القرارات الضرورية لضمان السير العادي للمرافق الحكومية، مع استثناء القرارات المرتبطة بالمالية، وذلك بهدف الحفاظ على استمرارية العمل الإداري دون منح المسؤولين المرشحين هامشًا قد يثير تساؤلات بشأن توظيف الصلاحيات الحكومية في سياق انتخابي.
وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى أن عددًا من أعضاء الحكومة الحالية أعلنوا ترشحهم رسميًا للانتخابات التشريعية المقبلة، ما جعل مسألة الفصل بين ممارسة المسؤولية التنفيذية والمنافسة الانتخابية تحظى باهتمام سياسي وحقوقي متزايد.
وفي هذا السياق، ارتفعت مطالب بوضع ضوابط لتحركات الوزراء المرشحين خارج مكاتبهم الرسمية، ولا سيما داخل الدوائر الانتخابية التي يخوضون فيها المنافسة، تفاديًا لأي استغلال محتمل للصفة الحكومية في التأثير على الناخبين. غير أن منع الوزراء بشكل مطلق من التوجه إلى دوائرهم الانتخابية يطرح بدوره إشكالًا دستوريًا، بالنظر إلى تمتعهم بحقوقهم السياسية والانتخابية.
ويتمثل التحدي، بالتالي، في إيجاد صيغة تضمن ممارسة الوزراء المرشحين لحقوقهم السياسية، وفي الوقت نفسه تمنع تداخل المسؤولية الحكومية مع النشاط الانتخابي، وتحافظ على حياد الإدارة وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
وتتعلق أبرز التخوفات المطروحة بإمكانية استغلال الموقع الحكومي في القيام بحملات انتخابية سابقة لأوانها، أو توظيف الحضور الرسمي والصفة الوزارية في التواصل داخل الدوائر الانتخابية، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بإطلاق مشاريع أو تخصيص اعتمادات مالية جديدة خلال الفترة الأخيرة التي تسبق الانتخابات، خصوصًا إذا كانت هذه الإجراءات تستهدف دوائر يترشح فيها مسؤولون حكوميون.
ومن شأن مثل هذه الممارسات، حتى في حال ارتباطها بمشاريع تنموية فعلية، أن تثير تساؤلات حول توقيتها ومدى تأثيرها على مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الانتخابية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرشحين يشغلون في الوقت نفسه مناصب حكومية تتيح لهم حضورًا سياسيًا وإداريًا وإعلاميًا واسعًا.
ويطرح لذلك مقترح تحجيم الدور التنفيذي المباشر للوزراء المرشحين، سواء من خلال مرسوم أو قرار لرئيس الحكومة، باعتباره آلية يمكن أن تساهم في تبديد المخاوف المرتبطة بنزاهة العملية الانتخابية، وتوفير شروط أكثر وضوحًا للفصل بين العمل الحكومي والاستحقاق الانتخابي.
وتضم لائحة المسؤولين الحكوميين الذين قرروا الترشح للانتخابات المقبلة عددًا من الوزراء وكتاب الدولة، من بينهم وزير الفلاحة أحمد البواري، المرشح في دائرة وزان، ووزير التعليم العالي عز الدين الميداوي، المرشح في الرحامنة، ووزير الثقافة محمد بنسعيد، المرشح في دائرة المحيط بالرباط، وهي دوائر يرتقب أن تعرف منافسة قوية بالنظر إلى طبيعة الأسماء المشاركة فيها.
كما تشمل اللائحة أديب بن إبراهيم، المكلف بالإسكان، المرشح بدائرة حسان في الرباط، وصابري، المكلف بالتشغيل، المرشح بدائرة بني ملال، والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، المرشح بدائرة سيدي إفني.
وتضم كذلك الحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، المرشح بدائرة تارودانت الشمالية، وزيدان في دائرة اليوسفية، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش، وعبد اللطيف وهبي في تارودانت، ونزار بركة في العرائش.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة ما جرى عليه العمل في تجارب حكومية سابقة، حيث كانت الحكومة تدخل، مع اقتراب نهاية الولاية البرلمانية وحلول موعد الانتخابات، مرحلة تصريف الأعمال، بما يساهم في الحد من اتخاذ قرارات ذات طابع سياسي أو تنموي كبير خلال الفترة الانتخابية.
ويُنظر إلى هذا التقليد السياسي باعتباره إحدى الضمانات التي تروم حماية العملية الانتخابية من أي تأويلات قد تربط بين قرارات الدولة والمنافسة على الأصوات، كما يساهم في تفادي اتهام المسؤولين بتسخير الإمكانيات العمومية لخدمة مرشحين بعينهم أو تعزيز حظوظهم الانتخابية.
وتزداد أهمية هذا الإجراء في ظل تعدد المسؤولين الحكوميين الذين اختاروا دخول المنافسة، إذ إن استمرارهم في ممارسة اختصاصاتهم التنفيذية بالتوازي مع خوض الحملات الانتخابية قد يثير إشكالًا يتعلق بتوازن المنافسة، بالنظر إلى طبيعة الموارد والصلاحيات المرتبطة بالمناصب التي يشغلونها.
وفي المقابل، فإن الانتقال إلى صيغة تصريف الأعمال لا يعني تعطيل المرافق العمومية أو تجميد عمل القطاعات الحكومية، إذ يمكن للكتاب العامين والمسؤولين الإداريين ضمان استمرارية المرفق العام واتخاذ القرارات الضرورية التي لا تحتمل التأجيل، مع تفادي القرارات التي يمكن أن يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على المنافسة الانتخابية.
وإلى حدود 3 شتنبر 2026، لم يتم الإعلان عن قرار واضح بشأن إنهاء المهام التنفيذية المباشرة للوزراء المرشحين أو انتقال الحكومة رسميًا إلى صيغة تصريف الأعمال، وهو ما يجعل النقاش مفتوحًا بشأن الصيغة التي ستعتمد لتدبير المرحلة المقبلة.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، لا يتعلق الأمر فقط بوضعية الوزراء المرشحين، وإنما أيضًا بصورة الاستحقاق الانتخابي وثقة المواطنين في شروط المنافسة، إذ إن ضمان حياد الإدارة وتكافؤ الفرص يظل عنصرًا أساسيًا في تعزيز مصداقية العملية الديمقراطية ونتائجها.