ترشح فوزي لقجع بدائرة إقليم بركان مسألة وقت ليس إلا

يعرف الحقل السياسي المغربي الحالي دينامية مكثفة حاليا، لكنها غير عادية ،ولا ترتبط بانتقال او ترحال أشخاص من حزب لآخر ، بل ترتبط هذه الدينامية بخطة مدروسة مسبقا لتحديد هندسة المشهد السياسي المرتقب ، ونوعية البروفيلات اوالنخب التي ستؤثث السلط التنفيذية والتشريعية لمرحلة ما بعد استحقاقات 23 شتنبر المقبل والتي حدد صاحب الجلالة في خطاب عيد العرش خارطة طريقها.
أقول هذا الكلام ، لان تاريخ الانتخابات بالمغرب قدم لنا دروسا في هذا الصدد، مفادها ان رهانات كل محطة انتخابية في المغرب لا ترتبط بتنافس حول مقاعد الدوائر الانتخابية، بل تشكل فرصة لإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الحقل السياسي، وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والاحزاب السياسية والمجال الترابي.
ضمن هذا السياق، يكتسب اسم فوزي لقجع أهمية استثنائية في هذا الظرف الاستثنائي ، في مشهد حولته سلوكات نخب وقيادات الاحزاب السياسية الكبرى بالمغرب لفضاء يسوده تنافس غير أخلاقي في ما بينها ، من حيث سرقة وخطف المرشحين الكبار ، وما يجري اليوم من تخاطف حول أعيان الصحراء بين أحراب الاغلبية الحكومية اكبر برهان على ذلك.
الرهان على فوزي لقجع يعكس قوة الرجل ، وتعيينه عضوا بالمكتب السياسي لحزب الاصالة والمعاصرة لا يُنظر إليه باعتباره مجرد مسؤول عمومي أو شخصية رياضية، بل باعتباره أحد الفاعلين الذين راكموا خلال السنوات الأخيرة خبرة واسعة في تدبير ملفات استراتيجية، تتقاطع فيها المالية العمومية، والاستثمار، والحكامة، والدبلوماسية الرياضية، والتفاوض الدولي. لذلك، فإن أي انتقال يقوم به داخل الحقل السياسي لا يمكن عزله عن رهانات الدولة.

من هذه الزاوية ، كل قراءة تختزل احتمال ترشح لقجع في دائرة اقليم بركان كونه سعياً إلى الفوز بمقعد برلماني تبدو قراءة سطحية. فالمقعد النيابي، بالنسبة لشخصية بهذا الوزن، لا يمثل هدفاً في حد ذاته، وإنما يكتسب معناه بوصفه مدخلاً إلى شرعية انتخابية مباشرة، تكمل الشرعية التي اكتسبها من خلال المسؤوليات التنفيذية والمؤسساتية التي اضطلع بها خلال السنوات الماضية. وفي الأنظمة السياسية المعاصرة، تظل الشرعية الانتخابية عنصراً أساسياً في بناء المكانة السياسية، حتى بالنسبة للشخصيات التي راكمت نفوذاً داخل مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، تبدو بركان أكثر من مجرد دائرة انتخابية. فهي فضاء سياسي واجتماعي يحمل رمزية خاصة، ويمنح أي ترشح محتمل بعداً يتجاوز الحسابات الرقمية للأصوات. فالدوائر الانتخابية ليست وحدات جغرافية محايدة، بل هي مجالات لإنتاج الشرعية السياسية وإعادة بناء العلاقة بين النخب والمجتمع. ولهذا، فإن اختيار بركان، إذا تأكد، سيكون اختياراً يحمل رسائل سياسية وتنظيمية في آن واحد.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية أكبر إذا ما وضعت في سياق التحولات التي تعرفها الأحزاب المغربية. فمنذ سنوات، أصبح واضحاً أن المنافسة لم تعد تدور فقط حول البرامج أو الخطابات، بل حول القدرة على استقطاب شخصيات تمتلك رصيداً تدبيرياً ومؤسساتياً يمنح الأحزاب قوة تفاوضية ورأسمالاً رمزياً أمام الناخبين وباقي الفاعلين. وبذلك، أصبح استقطاب النخب أحد أهم أدوات الصراع الحزبي، إلى جانب التعبئة الانتخابية والتحالفات السياسية.
وفي هذا الإطار، فإن انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة لا يمكن قراءته باعتباره انتقالاً تنظيمياً معزولاً، بل باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة هندسة التوازنات داخل الحزب وتعزيز حضوره في الاستحقاقات المقبلة. كما يعكس، في الوقت ذاته، اتجاهاً متزايداً نحو إدماج الكفاءات ذات الخبرة التقنية والتدبيرية في المجال التمثيلي، وهو اتجاه أصبح يميز عدداً من الديمقراطيات التي تبحث عن تجديد نخبها السياسية.
ومع ذلك، فإن التحليل العلمي يفرض التمييز بين المؤشرات والاستنتاجات من جهة، والوقائع القانونية من جهة أخرى. فإلى حدود الآن، لم يصدر إعلان رسمي يؤكد ترشح فوزي لقجع بدائرة بركان، كما أن مسطرة الترشيحات لم تستكمل بعد. ولذلك، فإن أي حكم نهائي سيكون سابقاً لأوانه. غير أن غياب الإعلان الرسمي لا يلغي القيمة التفسيرية للمؤشرات المتراكمة، ولا يمنع الباحث من تحليل اتجاهاتها في ضوء منطق الفعل السياسي.
ولعل السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان فوزي لقجع سيترشح، وإنما ما الذي يعنيه هذا الترشح، إن تحقق، بالنسبة للمشهد السياسي المغربي. فدخول شخصية بهذا الحجم إلى المنافسة الانتخابية سيؤشر على انتقال جديد في علاقة الدولة بالأحزاب، وعلى استمرار الرهان على نخب تجمع بين الخبرة التقنية والشرعية الانتخابية. كما سيعيد طرح سؤال طبيعة البرلمان الذي يُراد تشكيله خلال الولاية المقبلة: هل سيكون فضاءً لإنتاج التشريع والرقابة فقط، أم مؤسسة يُراد لها أن تستوعب شخصيات ذات قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي يعرفها المغرب؟
في هذا المعنى، لا تبدو فرضية ترشح فوزي لقجع مجرد خبر انتخابي محتمل، بل تمثل مدخلاً لقراءة التحولات التي تعرفها بنية النخبة السياسية المغربية. ولذلك، فإن الإعلان الرسمي، إذا صدر، لن يكون بداية القصة، بل الحلقة الأخيرة في مسار سياسي بدأت ملامحه تتشكل منذ أشهر، عبر مؤشرات متتالية تعكس أن إعادة تشكيل الخريطة السياسية لم تعد تتم فقط عبر التحالفات الحزبية، بل أيضاً عبر إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الذين يُنتظر منهم قيادة المرحلة المقبلة.
انها احدى الرهانات الاستراتيجية للدولة التي وردت في الخطاب الملكي الأخير لعيد العرش حيث قال جلالته:’’ إن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.
وإننا نتطلع، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى’’
لذلك ، اعتقد ان ترشح فوزي لقجع بإقليم بركان مسألة وقت ليس الا ، لان كل الامور مضبوطة منذ مدة ولكل قرار زمانه،

belcadi@belpresse.com

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *