العدالة والتنمية في امتحان 23 شتنبر..عودة إلى الكبار أم استمرار في التراجع؟

مع اقتراب موعد الحسم، تبرز مؤشرات كثيرة  تدل على أن حزب العدالة والتنمية يخوض انتخابات 23 شتنبر ليس من أجل الدفاع عن موقع قائم، وإنما من أجل استعادة موقع فقده دفعة واحدة في انتخابات 2021؛ فقد كانت خمس سنوات كافية لينتقل الحزب من صدارة المشهد ب 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط، في واحدة من أكثر النتائج قسوة على في تاريخ الانتخابات المغربية الحديثة.

ومنذ تلك الهزيمة، ظل سؤال جوهري يلاحق الحزب: هل انتهى زمن “البيجيدي” كقوة انتخابية وازنة، أم أن ما وقع في 2021 كان نتيجة ظروف سياسية وانتخابية يمكن تجاوزها؟

هذه المرة، يحاول الحزب أن يقدم جوابا ميدانيا، من خلال عودة عبد الإله بنكيران إلى القيادة والتي أعادت شيئاً من الروح إلى التنظيم، وأعادت معه لغة سياسية أكثر صداماً وحضوراً، كون بنكيران يعرف جيداً كيف يخاطب قواعد الحزب والرأي العام ، ويعرف أيضاً كيف يحول الانتخابات إلى نقاش سياسي يتجاوز الحسابات المحلية للدوائر، لكن لنتفق بأن استعادة بنكيران حضوره في الفضاء العمومي لا تعني بالضرورة استعادة الحزب لقوته الانتخابية.

 

هناك شبه اجماع على أن الناخب المغربي تغير كثيراً منذ 2016، كما هو الشأن بالنسبة لحزب والعدالة والتنمية الذي تغير، سواء على مستوى القيادة أو الخطاب أو التموقع داخل المشهد السياسي ،كما أن سنوات مشاركته في الحكومة أصبحت جزءاً من رصيده السياسي، بما لها وما عليها، ولذلك سيكون من الصعب أن يخوض الحزب هذه الانتخابات وكأنه يبدأ من نقطة الصفر.

في المقابل، هناك ملفات استغلها الحزب  في أجندته الانتخابية، في مقدمتها تراشق حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة المعاصرة  ونشر غسيلهما أمام الراي العام،  الأسعار، القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة والتعليم، وكلها قضايا حاضرة بقوة في النقاش العام، فالعدالة والتنمية يحاول أن يقدم نفسه من جديد باعتباره صوتاً ينتقد أداء الحكومة ويخاطب فئات تشعر بأن الوعود السياسية لم تجد طريقها دائماً إلى الحياة اليومية.

لذلك أقول إن تحويل غضب المواطن على السياسات العمومية  للحكومة إلى تصويت عقابي وإلى أصوات انتخابية مسألة أخرى.

فالناخب الذي ينتقد الحكومة ليس بالضرورة ناخباً للعدالة والتنمية، كما أن الناخب الذي ابتعد عن “البيجيدي” في 2021 لا يعني أنه سيعود إليه تلقائياً في 2026، إذ أن هذه المعادلة قد تكون الأصعب أمام بنكيران وحزبه، والتي يتمحور أساسها حول سؤال رئيسي مفاده: كيف يستعيدون من غادروا، وفي الوقت نفسه يقنعون ناخبين جدد بأن الحزب يستحق فرصة أخرى في سياق فقد فيها الناخب الثقة في كل الأحزاب بما فيها حزب البيجيدي ولو بدرجات مختلفة.

ويبدو أن البيجيدي يدخل المعركة الانتخابية، وهو واع كل الوعي بمستجدات المشهد الحربي وبأبعادها اهمها التحاق فوزي لقجع لحزب الاصالة والمعاصرة الذي بعثر بعض أوراق الاستراتيجية الانتخابية لحزب “البيجيدي”، إضافة الى دفاع الأحزاب الموجودة في التحالف الثلاثي عن مواقعها بكل قوة، ورهانها على كبار الناخبين .

ومع ذلك، فإن اختزال العدالة والتنمية في نتيجة 2021 قد يكون متسرعاً، نظرا لأن الحزب ما زال يمتلك تنظيماً وقواعد انتخابية في عدد من المناطق، وما زال قادراً على تنظيم حملات وتعبئة أنصاره، وهذه عناصر لا يمكن تجاهلها عندما يتعلق الأمر بقراءة فرصه الانتخابية.

المسألة إذن ليست مرتبطة بهل سيحصل “البيجيدي” على مقاعد أم لا، فمن شبه المؤكد أنه سيكون حاضراً في البرلمان المقبل، لكن السؤال السياسي الحقيقي هو حجم هذا الحضور.

وهل سيتمكن من تحقيق قفزة كبيرة تجعله رقماً أساسياً في الخريطة البرلمانية الجديدة؟ أم سيكتفي بتحسين نتيجته من دون أن يستعيد موقعه السابق؟

وبناء على ما سبق، فإن الجواب على التساؤلات أعلاه سيكون لها أثر مباشر على مستقبل الحزب وعلى موقعه داخل المعارضة، بل وعلى طريقة تعاطي بقية الأحزاب معه بعد الانتخابات، فالعودة من 13 مقعداً إلى حضور برلماني وازن ستكون لها دلالة سياسية واضحة، حتى لو لم تعد الحزب إلى أرقام 2016، أما إذا بقيت العودة محدودة، فسيكون واضحاً أن الطريق نحو استعادة المكانة القديمة ما زال طويلاً.

لهذا تبدو انتخابات 23 شتنبر بالنسبة إلى العدالة والتنمية اختباراً حقيقياً أكثر من كونها مجرد محطة انتخابية، لكون الحزب يريد أن يثبت أن ما حدث في 2021 لم يكن نهاية مساره، وأنه قادر على العودة إلى المنافسة من جديد، لكن هذه المرة، لن تكفيه خطابات بنكيران ولا حماسة شعارات  أنصار الحزب، بل سيكون ملزما بإقناع الناخب أولا.

ومن المرتقب أنه في ليلة 23 شتنبر، لن تكون هناك مساحة كبيرة للتأويل، فعدد المقاعد التي سيحصل عليها “البيجيدي” سيعطي الجواب الأكثر وضوحاً عن السؤال الذي ظل معلقاً منذ خمس سنوات: هل بدأ العدالة والتنمية فعلاً رحلة العودة إلى مربع الكبار؟ أم أن انتخابات 2021 أسست لخريطة سياسية جديدة يصعب على الحزب تجاوزها وأن الامر يتظلب المزيد من الانتظارية؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *