طوفان التكبيس وربيع التيكتوك.. وأزمة التعليم !

أثار وزير العدل مؤخرا جدلا متجددا حول منصة تيكتوك الصينية التي تديرها شركة بايت دانس، ؛وهو جدل بدأ في الولايات المتحدة قبل سنوات مع الرئيس السابق دونالد ترامب الذي شن على الصينيين حربا منذ 2019 بدءا بشركة هواوي.. وهذه قصة أخرى.

لكن قبل التفصيل في حرب ترامب على تيكتوك وأخواتها، فإن قول وهبي، إن الحكومة لا قدرة لها على وقف مواقع التواصل في المغرب هو معلوم رقميا بالضرورة .

فمواقع التواصل الاجتماعي التي يطلق عليها البعض السلطة الخامسة فيما يرى آخرون أنها غدت سلطة السلط في عالم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لايمكن القفز عليها بسهولة .

هي مواقع عملاقة ولها ميزانيات ضخمة تتجاوز الدول خاصة تلك المواقع التي تمتلك أضخم البيانات المرتبطة بسكان الأرض والتي تتقدمها شركة جوجل بزهاء 3 ملايير مستخدم نشط لبريد جمايل ، فيما يمتلك ملايين الاشخاص أكثر من بريد واحد وهي بذلك تسيطر على بيانات جزء كبير من سكان العالم.

ويستخدم منصة يوتوب التابعة لشركة جوجل مليارا مستخدم ونصف بشكل نشط ، ويمكنك أن تتخيل كم البيانات التي تستحوذ عليها الشركة، ليس فقط البيانات الخاصة بالجنس والسن والجغرافيا بل هي ايضا تعرف معطيات ما تبحث عنه وتفضيلاتك والأماكن التي زرتها من قبل وغيرها من المعطيات.

منصة فيسبوك او شركة ميطا، لمؤسسها مارك زوغربرغ واحدة من الشبكات العملاقة التي يستخدمها زهاء 3 ملايير مستخدم يوما عبر منصاتها المختلفة ، واتساب وانستغرام وفيسبوك والمسنجر.

مواقع التواصل في المغرب 

في المغرب يستخدم أزيد من 34 مليون مغربي الأنترنت اي ازيد من 90 من نسبة السكان ، بحسب التقرير الرقمي العالمي الذي تصدره كبيوس بتنسيق مع مؤسسة وي آر سوشيال we are social.

وإلى حدود فبراير 2024 يستخدم نحو 22 مليون مغربي مواقع التواصل الاجتماعيK ليوتوب فيها حظ الأسد بأكثر من 21 مليون مستخدم وفيسبوك بأكثر من 20 مليون مستخدم، بينما يستخدم انستغرام 12 مليون مغربي وتيكتوك مثار الجدل يستخدمه نحو 13 مليون مستخدم، وهو بذلك يتجاوز انستغرام رغم ان الاخير تأسس قبل تيكتوك بست سنوات في 2010 .

نأتي إلى مربط الفرس في هذه المقالة وهي شركة تيكتوك التي تحدث عنها عبد اللطيف وهبي، وقبله وزير الاتصال محمد مهدي بتسعيد الذي اجاب عن سؤال في البرلمان حول هذا الشأن كون الحكومة ستقيد المنصة الصينية الذائعة الصيت .

هل فعلا تستطيع وزارة الاتصال ومعها الحكومة، أن توقف مد شركة مثل تيكتوك التي ربكت عمالقة التكنولوجيا الأميركيين الذين ذكرت سابقا، ودفعتهم للاستعانة بالساسة لشن حرب على المنتجات الرقمية الصينية في مقدمتها تيكتوك وهواوي؟.

إن التعامل مع هاته المنصات لايأتي بتكميم افواه صناع المحتوى الموجودين في معظم المنصات وليس فقط تيكتوك، بل إن المعضلة تكمن في التعليم والاستثمار في المحتوى المضاد الذي يقبل عليه الشباب من الجيل Z .

إن تطبيق تيكتوك الذي ظهر فقط في 2016 ، قلب المعادلة الرقمية رأسا على عقب، وأرعب الأمريكيين في عقر دارهم، فقرروا مهاجمته لعدة اعتبارات أهمها :

- التيكتوك هو أول تطبيق غير أمريكي يتجاوز مليار مستخدم في وقت قياسي.

-التيكتوك يعتبر منصة الخوارزميات العادلة، بعدما غيرت فيسبوك خطتها في 2017 بالتحكم بالخوارزميات لأجل الربح..
- التيكتوك هو التطبيق الوحيد الذي استطاع تغيير السردية الأمريكية عند الشباب الغربي حول ما يجري في غزة في ظرف قياسي.
- التيكتوك ساهم بشكل كبير ، رغم ارتباطه في بعض الدول بالتفاهة، في تحريك الربيع الطلابي الأمريكي .
- التيكتوك شكل بديلا للمنصات الأمريكية ووسائل الإعلام التقليدية هناك إلى جانب تلغرام الروسية حيث لم يعد االشباب من الجيل Z يتابع وسائل الإعلام تلك لأنها لم تعد مقنعة بالنسبة لهم.

بل حتى ترامب وفي تحول لافت بعدما كان يحارب المنصة  قبل سنوات يستخدمها اليوم ضد الرئيس الأمريكي بايدين الذي يستخدمها بدوره.

فالرجلان حارباها سابقا لدواعي مرتبطة بالأمن القومي، وهاهما يستنجدان بها اليوم في حملتهما الرئاسية في واحدة من أكثر الأمثلة البراغماتية وضوحا على مستوى التواصل الرقمي.

في صراعهما التسويقي نحو البيت الابيض ، يستخدم المرشحان المنصة لكسب تعاطف شريحة واسعة من الجمهور الأمريكي الذي يمم نحو تيكتوك الصينية لسماع سردية متوازنة،  رغم وجود أكثر من منصة أمريكية صنعت في بلد العم سام منذ سنوات، وهو امر مثير للدهشة ويطرح الكثير من الأسئلة التي على الحكومة تأملها.

وعليه فإن خطاب وزير العدل ومعه وزير الاتصال تجاه تيكتوك وحدها يجانبه الكثير من الصواب ، إذا كانت الغاية مجابهة التفاهة وتأثير المنصات على اليافعين والأطفال ، لأن اصل الداء انطلق من يوتوب قبل 18 سنة، وبعده فيسبوك فانستغرام.

وإن كان فعلا للحكومة رغبة في مواجهة هاته المنصات لحماية اليافعين فإن انستغرام يبدو الأخطر باعتراف الأمريكيين أنفسهم، كما أن فرض ضريبة على هذا النوع من المحتوى وتوجيهها للبحث العلمي الرقمي، يمكنها ان تسهم في حلحلة الأمر ولو قليلا ، وإن كان لابد من كبح المنصات وهو أمر مستحيل ، فلتكبح كلها وإلا فإن الخطاب الحكومي سيكون متماهيا مع حكومة ترامب في 2019 ، اما ترامب اليوم فهو تيكتوكر مقتنع بما يصنعه من محتوى.

فالحرب اليوم هي حرب بيانات وذكاء اصطناعي وليست حرب صناعة محتوى او فيديوهات هنا وهناك.

فرغم طوفان التكبيس المزعج  على تيكتوك والتعليقات العابرة للمنصات خاصة ، يوتوب وفيسبوك، والهاشتاغات المزيفة على إكس / تويتر ، فهناك حاجة ملحة لصناعة البديل الذي لم يفكر فيه أحد ..

البديل هو تشجيع الابتكار والمحتوى الهادف والإعلام الجاد ، والتفكير النقدي البناء خارج الصندوق والتواصل المؤسساتي الفعال المبني على تحليل البيانات الضخمة.

فالبحث العلمي بالجامعة اليوم لا يضع ضمن أولوياته الرقمنة والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبيانات . وهي مداخل أساسية إلى السيادة الرقمية ومستقبل الإنترنت.

والتعليم الأولي، هو المبتدأ والمنتهى وهو المفتاح لكل معضلة يمكن أن تواجهنا مستقبلا ، اما صناعة المحتويات التافهة فهي انعكاس فقط لما يعتمل في المجتمع، والواقع لايرتفع كما يقال، كل ما في الأمر أنه أصبح متاحا رقميا.


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.