فاطمة المرنيسي.. من فيلم سينمائي إلى عمل مسرحي

تعود عالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي إلى الواجهة الثقافية من خلال تجربة فنية جديدة اختارت أن تنقل أفكارها من فضاء الكتابة والسينما إلى خشبة المسرح، عبر عرض يحمل عنوان “حلم بلا حدود”، تسعى من خلاله مخرجة فرنسية إلى استحضار مسارها الفكري والإنساني بلغة فنية معاصرة.

العمل المسرحي، الذي تشرف عليه المخرجة آن لور لييجوا وتقدمه فرقة “مسرح 19”، بمشاركة الممثلتين أمال عيوش وسناء عاصف، يقوم على إعادة صياغة نصوص مختارة من مؤلفات المرنيسي داخل بناء مسرحي يبتعد عن الطابع الأكاديمي، ويقرب أفكارها من الجمهور عبر التعبير الفني والجمالي، في محاولة لإحياء أسئلتها داخل سياق فني مفتوح على التأويل.

ويأتي هذا المشروع ضمن مبادرات ثقافية تستحضر إرث المرنيسي الفكري، بالتزامن مع مرور عشر سنوات على رحيلها، حيث اختار القائمون على العرض مقاربة مختلفة تقوم على محاضرة متخيلة تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع التفكير النقدي، دون الوقوع في السرد التوثيقي التقليدي لسيرتها.

ويرتكز العرض على نصوص بارزة في مسارها الفكري، من بينها “سلطانات منسيات” و”الحريم السياسي” و”هل أنتم محصنون ضد الحريم؟” و”شهرزاد ترحل إلى الغرب” و”الحب في البلدان المسلمة”، إذ يعاد تقديم مضامين هذه الأعمال في صيغة حوار مسرحي يستحضر محطات من طفولتها وشبابها، خاصة بمدينة فاس، مع إبراز أثر المحيط العائلي والنسائي في تشكيل وعيها المبكر بقضايا المرأة والمجتمع.

ومن خلال أداء ثنائي على الخشبة، يستعيد العرض مشاهد من الحياة اليومية التي ساهمت في تشكيل رؤية المرنيسي، خاصة ما ارتبط بتمثلات المرأة داخل المجتمع، وبفكرة “الحريم” باعتبارها بنية اجتماعية تتجاوز بعدها التاريخي لتتخذ أشكالا جديدة في الحاضر، سواء داخل المجتمعات العربية أو في السياقات الغربية.

ولا يكتفي العمل باستحضار الذاكرة، بل يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول القضايا التي شغلت المرنيسي طوال مسيرتها، من بينها حدود الحرية الفردية، ومكانة المرأة داخل المجتمعات التقليدية والحديثة، ورفض كل أشكال التمييز أو القيود المفروضة باسم الأعراف أو التأويلات الجاهزة، كما يتوقف عند قراءتها النقدية للغرب، التي اعتبرت أن خطاب المساواة لا يلغي بالضرورة استمرار أشكال خفية من التهميش.

ويعيد هذا العمل المسرحي تسليط الضوء على حضور المرنيسي في المشهد الثقافي المغربي، بعد التجربة السينمائية التي تناولت سيرتها في فيلم “فاطمة.. السلطانة التي لا تنسى” للمخرج محمد عبد الرحمان التازي ولعبت دور البطولة الفنانة مريم الزعيمي، والذي ركز على مسارها الفكري والأكاديمي دون الخوض في تفاصيل حياتها الخاصة، احتراما لاختياراتها.

وتظل فاطمة المرنيسي واحدة من أبرز أسماء العلوم الإنسانية بالمغرب، حيث ارتبط اسمها بالدفاع عن قضايا المرأة وإعادة قراءة موقعها داخل المجتمع والتاريخ الإسلامي، وهو ما يجعل أعمالها قابلة لإعادة القراءة من زوايا فنية وفكرية متعددة.

وبين السينما والمسرح، تتواصل محاولات استعادة إرثها، مؤكدة أن أسئلتها حول الحرية والسلطة ودور المرأة ما تزال حاضرة بقوة في زمن التحولات المتسارعة

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *