فجّرت صلات عدد من الجامعات الأمريكية المرموقة برجل الأعمال الراحل جيفري إبستين موجة جدل واسعة داخل الأوساط الأكاديمية، بعدما تكشّف تورّط مؤسسات وأسماء جامعية في علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع شخصية متهمة بإدارة شبكة للدعارة واستغلال منازله وجزيرته الخاصة لارتكاب جرائم جنسية ضد فتيات قاصرات، إلى جانب تجنيد أخريات لتوسيع نشاط شبكته. هذه الوقائع دفعت جامعات كبرى إلى اتخاذ إجراءات تأديبية وإعادة فتح ملفات علاقاتها السابقة، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود التمويل الخاص وتأثيره على استقلالية القرار الأكاديمي والمعايير الأخلاقية داخل الحرم الجامعي.
وفي هذا السياق، وسّعت جامعة هارفارد تحقيقها الداخلي عقب نشر وثائق كشفت عن تبرعات لا تقل عن 375 ألف دولار لمعهد “هاستي بودينغ”، جرى تمريرها عبر رجل الأعمال أندرو إل. فاركاس، إلى جانب مراسلات مطوّلة جمعت إبستين برئيس الجامعة السابق لورنس سمرز، ما أعاد إلى الواجهة طبيعة العلاقة التي ربطت المؤسسة بأحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في تاريخ التمويل الخاص.
من جهتها، قررت جامعة ييل إيقاف أستاذ علوم الحاسوب ديفيد غيلرنتر مؤقتاً عن التدريس، بعد الكشف عن مراسلات شخصية جمعته بإبستين، في خطوة عكست حساسية المرحلة ورغبة الجامعة في احتواء التداعيات الأخلاقية والإعلامية للقضية.
أما جامعة كولومبيا، فقد لجأت إلى إجراءات أكثر صرامة، حيث جرّدت ليتي موس-سالنتين من لقبها الإداري، وأبعدت توماس مانياني عن مناصب قيادية، عقب الكشف عن دورهما في تسهيل قبول كارينا شولياك، صديقة إبستين، في كلية طب الأسنان، في وقت كان عميد الكلية آنذاك إيرا لامستر قد تلقى تبرعات مالية منه، ما اعتُبر تضارباً واضحاً للمصالح.
وفي تعليق يعكس القلق المتنامي داخل الوسط الأكاديمي، قال بروس لوينشتاين، الأستاذ بجامعة جامعة كورنيل، إن السعي المتزايد للجامعات وراء التمويل الخاص قد يفسّر انخراط بعض الأكاديميين في علاقات مماثلة، محذّراً من أن مثل هذه الممارسات تقوّض أسس الأخلاق والشفافية، وتهدّد الثقة في المؤسسات التعليمية.
وتزامنت هذه التطورات مع إفراج وزارة العدل الأمريكية عن نحو ثلاثة ملايين ملف تتعلق بإبستين، ما أطلق موجة تداعيات غير مسبوقة طالت شخصيات سياسية واقتصادية وأكاديمية وثقافية بارزة، وفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لشبكة النفوذ التي نسجها على مدى سنوات.
وبحسب ما أوردته نيويورك تايمز، فإن إبستين استطاع أن يجمع حوله نخبة من واشنطن وول ستريت وهوليود، إضافة إلى شخصيات من النخبة العالمية، ويوظف علاقاته ونفوذه المالي لاختراق مؤسسات حساسة، وهو ما جعل فضيحته تتجاوز بعدها الجنائي لتتحول إلى قضية رأي عام تمس أخلاقيات السلطة والمال والمعرفة في آن واحد.