من الريسوني إلى بنكيران: نحن أو طوفان

إن حزب العدالة والتنمية مدعو لإيضاح موقفه السياسي، وتحديد موقعه في الحكومة كقائد لها أو مشارك فيها؟ مشيرا إلى أن الحزب ملتبس ولا يعرف إن كان دينيا أم مدنيا؟ كما يجهل الجميع موقفه من ضرورة النأي بالدين عن المعارك السياسية والانتخابية من خلال التوظيف المشترك له في خصومات السياسة والتوظيف الحزبي.

و قد سبق لعبد الإله ابن كيران عند رئاسته للحكومة أن صرح بأن الـ”بيجيدي” انقلب عن الصفة الإسلامية عبر رسالة كان يروم من ورائها الظهور بالصفة المؤسساتية في سياق تخوفه من الذهاب في منحى التجربة الإخوانية بمصر.

فخروج عبد الإله ابن كيران، وما أعقبه من تبعات يظهر أن حزب العدالة والتنمية أبعد ما يكون عن منطق المؤسساتي، وما يروج حول مراجعات داخل التنظيم ذو الخلفية الإخوانية ليس سوى آراء ومقولات موجهة للتصدير الخارجي دون أن تكون لها ممارسة عملية، فسعد الدين العثماني، لم يستطع ضبط فريقه البرلماني، بشأن التصويت على القانون- الإطار رقم 51.17 المتعلق بالتربية والكوين، وأقصى ما استطاع فعله هو الضغط من أجل وقوفهم موقف الحياد إزاءه، فيما اتجه ابن كيران لشحن القواعد، وتعبيره عن مواقف شيوخ الجماعة، وهذا بعيد عن منطق الحزب المدني.

و بالتالي فان تنظيم العدالة و التنمية هو حزب عقائدي لا ينتظر منه التحول، لأن النواة الصلبة لبنيته التنظيمية هي الحركة الدعوية التي تعد مركز القرار الذي لا ينبع بالمرة من اختيارات القواعد، بل من شيوخ الجماعة التي تقرر وتوجّه أما البقية فيكتفون بتنفيذ تلك القرارات فقط، محيلا على أن من يصدق حدوث التحول الذي يسوق له بشأن مواقف الحزب تحت لافتة الاختلاف، غنما هو واهم ليس إلا، لأن ما يحصل لا يغدو أن يكون توزيعا للأدوار، بين السياسي والدعوي.

لذلك نجد أن تعاطي العدالة والتنمية مع مشروع القانون – الإطار المتعلق بالتربية والتكوين، يزكي هذا الطرح. لماذا؟ لأن الرفض لمسألة لغة للتدريس لا ينحاز إلى الحرص على صون الهوية، “فكلنا يتذكر مواقف ابن كيران من دسترة الأمازيغية التي هي جزء صلب من الهوية المغربية في تعددها اللغوي والهوياتي، بل لكون تقديرات شيوخ الجماعة، ترى في تدريس العلوم بلغة أجنبية تهديدا لمرجعيتهم الإخوانية التي تتطلع لتطبيق الشريعة كأولوية.

فخرجة عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة السابق، في هذا الصدد، باعتماده نهجا تكتيكيا سعى من ورائه إلى إخفاء مواقف تاريخية له ولبعض قياداته التي تعاني من التشرد السياسي ولم يبقى لها تأثير تنظيمي، جراء التحول الذي عرفه حزب العدالة و التنمية في المرجعية التأسسية.
و هنا يأتي في خرجته الفسبوكية لينفي عنه أي صلة لمواقفه بما يجري على الصعيد الإقليمي، خاصة من لدن اتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يرأسه أحمد الريسوني الذي جاء خلفا لسلفه يوسف القرضاوي.

لأحمد الريسوني هو المرجع العملي لحركة التوحيد و الإصلاح، فكلنا يتذكر كيف يخرج لتبرير أفعال أعضاءها وإشرافه بنفسه على منع ابن كيران من الولاية الثالثة على رأس الـ”بيجيدي”،

و قد التجأ لذلك، حتى لا يظهر بأنه فرع لتنظيم الإخوان المسلمين، إذ ما يسعى لخلع صفة الإخوانية عنه وتحويل الدفة عن رغبته في أخونة الدولة، كخطوة تكتيكية، لتجاوز الضغوط المسلّطة عليها إقليميا ودوليا.

كل هذا لم يمنع من وجود انفلاتات تظهر كون خطاب الحزب هو موجه للتصدير الخارجي، كما يتجلى ذلك من خلال تصريحات بعض قياداته وتدوينات قواعده على شبكات التواصل الاجتماعي، التي توجه إلى اتهامات صريحة لسعد الدين لعثماني وأعضاء الأمانة العامة بأنهم تخلّوا عن هوية العدالة والتنمية، وتصوير الجناح الداعم للحكومة المعروف بـ”جناح الاستوزار” بكونهم فتحوا الأبواب أمام جيل من النفعيين المتسلّقين الذين لا تهمهم الأفكار وإنما المواقع والمكاسب.

ان دعوة بنكيران الى انقلاب العدالة والتنمية على صيغة توافق الأغلبية بشأن مشروع القانون – الإطار المتعلق بالتربية والتكوين وتصويته الحيادي، لتعبير صارخ عن تخوفه من فقدان الكثير من الشيوخ سواء من عناصره أم من المقرّبين منه إذا قبل مسألة تدريس العلوم بلغة أجنبية، بما يثبت أن الديمقراطية ، المزعومة داخل حزب “المصباح” ليست غير “ديمقراطية شكلية” يرسم ملامحها ويستفيد منها شيوخ الجماعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More