هشام عيروض
تابعت، كما تابع ملايين المغاربة، موجة الغضب والسخط التي اجتاحت مختلف أسواق الماشية بالمملكة بسبب الارتفاع غير المسبوق في أسعار الأضاحي. لم يكن الأمر مجرد نقاش عابر حول ثمن الأكباش، بل بدا وكأنه صرخة اجتماعية جماعية تحمل في عمقها رسائل سياسية واقتصادية واضحة.
المفارقة أن هذا الوضع يأتي في سياق استثنائي: سنة سابقة لم يتم فيها ذبح الأضاحي، دعم مالي مهم تم صرفه ، وتساقطات مطرية أعادت الأمل بتحسن الموسم الفلاحي ومؤشراته. ومع ذلك، وجد المواطن نفسه أمام أسعار ملتهبة لا تعكس لا حجم الدعم المعلن، ولا المؤشرات الإيجابية التي تم تقديمها للرأي العام.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بثمن “الحولي ”، بل بمنظومة كاملة: هل نحن أمام أزمة حكامة في تدبير القطاع الفلاحي وسلاسل الإنتاج والتوزيع؟ أم أمام أزمة إرادة سياسية في حماية القدرة الشرائية للمواطن؟ أم أن الخلل أعمق من ذلك ويمس العلاقة بين الفعل العمومي والواقع اليومي للمواطن؟
الأكثر إثارة للانتباه هو اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي. حين يسمع المواطن تصريحات عن إمكانية اقتناء الأضحية بألف أو ألفي درهم، ثم يصطدم داخل الأسواق بأرقام مختلفة تماماً، فإن الأزمة لا تصبح أزمة أسعار فقط، بل أزمة ثقة أيضاً.
وفي العمق، فإن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الاعتمادات المالية التي يتم ضخها أو بقيمة الدعم المعلن، لأن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس بحجم الميزانيات، بل بقدرتها على إحداث أثر حقيقي في حياة المواطنين. فمؤشرات النجاعة والأداء (Performance) لا ينبغي أن تُختزل في حجم الإنفاق أو عدد العمليات المنجزة، وإنما في النتائج الاجتماعية والإنسانية المحققة على أرض الواقع.
لقد أصبح من الضروري اليوم إعادة النظر في مقاربة تصميم وتقييم بعض السياسات العمومية، والانتقال من منطق التدبير المحاسباتي الضيق إلى منطق الأثر العمومي الفعلي. فلا يمكن أن ننتظر أثراً إنسانياً واجتماعياً عميقاً من سياسات صيغت أساساً بمقاربة محاسباتية صرفة، تقيس النجاح بما تم صرفه لا بما تم تغييره، وبعدد الملفات المغلقة لا بعدد الإشكالات التي تم حلها.
الديمقراطية التمثيلية لا تدخل المأزق عندما ترتفع الأسعار فقط، بل حين يشعر المواطن بأن صوته ومعاناته اليومية لا ينعكسان بالشكل الكافي في القرار العمومي. لأن التمثيلية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي أيضاً القدرة على الإنصات والاستباق والتصحيح قبل أن يتحول التذمر إلى فقدان للثقة ثم إلى احتقان و توثر،
ما يقع اليوم يجب أن يُقرأ كجرس إنذار حقيقي؛ فالتحدي لم يعد فقط في إنتاج الثروة، بل في ضمان عدالة أثرها الاجتماعي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس بمنطق حملة مطاردة الساحرات ، وإنما بمنطق إعادة بناء الثقة وحماية الاستقرار الاجتماعي.