يدخل قطاع مراكز النداء وخدمات ترحيل الخدمات بالمغرب مرحلة دقيقة، مع اقتراب تفعيل قانون فرنسي جديد خلال شهر غشت المقبل، يفرض قيودًا صارمة على المكالمات التسويقية، من خلال اشتراط الحصول على موافقة مسبقة من الزبناء. هذا المستجد يثير نقاشًا واسعًا داخل الأوساط المهنية، بالنظر إلى ارتباط جزء كبير من نشاط هذه الشركات بالسوق الفرنسية.
وتُظهر المعطيات المتداولة أن هذا التحول قد يؤثر بشكل مباشر على بنية القطاع، خاصة أن نسبة كبيرة من الشركات تعتمد أساسًا على خدمات التسويق عبر الهاتف، وهو النشاط الذي سيكون الأكثر تضررًا من هذا القانون. كما تبرز تخوفات من انعكاسات اجتماعية، في ظل احتمال فقدان عشرات الآلاف من مناصب الشغل، خصوصًا داخل مراكز النداء الصغرى والمتوسطة.
ويرى مراقبون أن الإشكال لا يرتبط فقط بتغيير قانوني ظرفي، بل بتحول عميق في سلوك المستهلك الأوروبي، الذي بات يرفض المكالمات الترويجية غير المرغوب فيها، وهو توجه مرشح للتوسع في عدد من الدول. هذا الواقع يفرض على الفاعلين في القطاع إعادة النظر في نماذجهم الاقتصادية، بدل الاستمرار في الاعتماد على نفس الأساليب التقليدية.
وفي خضم هذه التطورات، بدأت بعض الشركات بالفعل في اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها تقليص عدد المستخدمين أو إعادة توجيه أنشطتها، ما يعكس حجم الضغط الذي يعيشه القطاع. كما أن الأجراء، خاصة من ذوي الخبرة الطويلة، يجدون أنفسهم في وضعية مقلقة، في ظل غموض آفاق المرحلة المقبلة.
من جهة أخرى، يطرح موضوع البحث عن أسواق بديلة تحديات حقيقية، إذ يؤكد مراقبون أن تعويض السوق الفرنسية ليس بالأمر السهل، نظرًا لمكانتها المركزية في عقود الأوفشورينغ بالمغرب. كما أن الولوج إلى الأسواق الناطقة بالإنجليزية يصطدم بمنافسة قوية من دول تتمتع بتكاليف أقل وموارد بشرية متمكنة لغويًا، مثل مصر والفلبين.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد، بل تتقاطع مع التحولات التكنولوجية المتسارعة، خاصة مع بروز تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تؤثر بدورها على طبيعة الخدمات المقدمة، وتدفع نحو تقليص الاعتماد على الموارد البشرية في بعض المهام.
في المقابل، يرى متابعون أن هذه الأزمة قد تشكل فرصة لإعادة هيكلة القطاع، عبر تنويع مجالات الاشتغال والانتقال نحو خدمات ذات قيمة مضافة أعلى، إلى جانب الاستثمار في تكوين الموارد البشرية، خصوصًا في اللغات والتخصصات المطلوبة دوليًا.
كما يبرز عامل التوقيت كأحد الإشكالات المطروحة، حيث يعتبر مهنيون أن الفارق الزمني مع بعض الأسواق أصبح يؤثر بدوره على تنافسية المغرب، ما يستدعي إعادة تقييم عدد من الاختيارات المرتبطة بتنظيم العمل.
في المحصلة، يبدو أن قطاع مراكز النداء بالمغرب مقبل على مرحلة مفصلية، تتطلب تضافر جهود مختلف المتدخلين، سواء من أجل التخفيف من الأثر الاجتماعي المحتمل، أو لإعادة تموقع هذا النشاط ضمن بيئة دولية متغيرة تفرض التكيف السريع والابتكار المستمر.