الانتخابات ليست ترسانة قانونية فقط بل هي إرادة سياسية في الجوهر

من الأخطاء القاتلة التي تبقى لصيقة بالاستحقاقات التشريعية بالمغرب اعتبار العملية الانتخابية مسألة قانونية ودستورية بالدرجة الأولى، وليست مسألة إرادة سياسية، رغم كون الإرادة السياسية هي المدخل الرئيسي لكل انتخابات نزيهة وديمقراطية.

وعليه، فحضور الإرادة السياسية أو غيابها في أية استحقاقات انتخابية هو ما يجعل من الانتخابات إما عامل انفراجات سياسية أو عامل مواجهات سياسية، كما عودنا على ذلك تاريخ الانتخابات بالمغرب.

د. ميلود بلقاضي
د. ميلود بلقاضي

في هذا الصدد، توحي أجواء الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة لسنة 2026 أنها لن تشكل الاستثناء في تاريخ الانتخابات بالمغرب، بل إنها لن تكون إلا تمرينا ديمقراطيا عسيرا آخر للدولة وللأحزاب السياسية رغم تنظيمها في سياق وطني استثنائي متوتر سياسيا ومأزوم اجتماعيا واقتصاديا، وسياق دولي مضطرب.

سياق الانتخابات المقبلة وتحدياتها:

يتفق جل الباحثين أن تنظيم الانتخابات المقبلة لسنة 2026 سيكون استثنائيا لتزامنه مع قرب طي ملف مغربية الصحراء، ومرور البلاد بسياق صعب ومضطرب يشعر فيه المواطن بكثير من التيه ومن الخوف على مستقبله، بعد اتساع الفجوة بين الحكومة والأحزاب والنقابات والمواطن، الأمر الذي يجعل الانتخابات المقبلة أمام محك حقيقي هو محك المشاركة الشعبية بعد يأس المواطن من كذب وشعارات الحكومات المتعاقبة من محاربة الفساد الانتخابي، الذي ازداد وانتشر بشكل رهيب.

لذلك، يجمع جل المهتمين بأن الرقم الصعب في الانتخابات المقبلة سيكون هو نسبة المشاركة الشعبية، بعد تراجع عدد المسجلين في العملية الانتخابية والتشطيب على أكثر من مليون من هذه اللوائح.

حول القوانين المؤطرة للانتخابات:

سيؤطر الانتخابات المقبلة ترسانة قوانين تنظيمية ترتبط في القانون المغربي بمبدأ هرمية التشريعات وتدرجها أو بما يصطلح عليه بتراتبية القوانين، لكون القوانين التنظيمية التي ستؤطر هذه الانتخابات تصنف في منزلة ثانية بعد الدستور الذي يسمو على جميع أصناف التشريعات، لكونها – أي القوانين التنظيمية – وُضعت لتكون مكملة للدستور.

ومن الناحية الدستورية والقانونية، فإن إصدار القوانين التنظيمية هو مسؤولية مشتركة بين السلطتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان) كما ينص على ذلك الدستور.

صحيح أن القوانين الانتخابية هي إطار للتقنين والتنظيم والضبط وتوفير الإطار الدقيق للعمليات الانتخابية، بدءا من التسجيل إلى الاقتراع إلى الإعلان عن النتائج، مما يضمن حدًا أدنى من التنظيم القانوني.

سرعة إصدار القوانين الانتخابية:

لاحظ المهتم بالشأن الانتخابي المغربي الرقم القياسي الذي قُدمت فيه الترسانة القانونية المؤطرة للانتخابات المقبلة ومناقشتها والتصويت عليها، ثم إرسالها إلى المحكمة الدستورية، إلى طبعها بالجريدة الرسمية، وهو ما يعني أن عامل الزمن أثناء المناقشة والتصويت على هذه المشاريع التنظيمية كان عاملا في تحديد نوعية هذه القوانين: هل هي قوانين تنظيمية استراتيجية وذات جودة؟ أم إنها قوانين تكتيكية سياسوية لخدمة أجندات سياسية، خصوصا وأن النقاش حول هذه القوانين اختُزل في قضية منع الفاسدين من الترشح في هذه الانتخابات، ولم تناقش قضية ضرورة توفر الإرادة السياسية عند الدولة والأحزاب والمواطن لتوفير الشروط الديمقراطية لإجراء انتخابات نزيهة؟

جاهزية الأحزاب السياسية والدولة لإجراء انتخابات 2026:

يبدو بأن الدولة والأحزاب السياسية سيكونون أمام اختبار حقيقي لتنظيم الانتخابات المقبلة في ظروف عادية وديمقراطية بسبب ضغط عامل الزمن، ومدى جاهزية الأحزاب السياسية أن تكون في الموعد لإنجاح هذه الانتخابات الاستثنائية التي ستنظم في سياق استثنائي.

فحسب جل الملاحظين وقادة الأحزاب السياسية، فقد كانت مفاجأة كبرى بعد تقديم مشاريع القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات المقبلة بالمجلس الوزاري الأخير والمصادقة عليها في زمن قياسي، الأمر الذي أربك كل الأحزاب السياسية وجعلها تعود لممارساتها المشينة، حيث تعرف عملية منح التزكية للترشح فوضى عارمة، وتعيش قضية الترحال من حزب لآخر على إيقاع تسيب مخيف جعل المواطن يستنتج أن الانتخابات المقبلة لن تكون الاستثناء، بل إنها ستكون استمرارًا للعبث الانتخابي ودوسًا لقواعد العمل السياسي النبيل، وخرقًا لشروط الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة التي هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي وفق ما نص عليه الفصل 11 من الدستور.

دستور متقدم وقوانين متطورة وأحزاب سياسية مهترئة وانتخابات بدون طعم سياسي:

من أهم ما يُؤخذ على خطابات وتصرفات وممارسات الأحزاب السياسية في ظل الدستور الجديد والقانون التنظيمي للأحزاب المتقدم أنها لم تكن في مستواهما، حيث ما زال المشهد الحزبي يعاني من نفس الأمراض الهيكلية على أكثر من صعيد: شيخوخة الزعامات، دوس الديمقراطية الداخلية، محاربة الكفاءة، قدسية الزعيم على حساب قدسية الحزب المؤسسة، الرهان على الأعيان وسماسرة الانتخابات، ممارسة الخبث السياسي، إلخ، الأمر الذي ينذر بأن الحكومة والبرلمان والنخب التي ستفرزها هذه الانتخابات، وفي ظل القاسم الانتخابي على أساس المقيدين في اللوائح، ستكون أكثر كارثية من الحكومة والبرلمان الحاليين، وهو ما سيمثل تحديا حقيقيا لكيفية بناء مغرب الوحدة الترابية بعد القرار الأممي رقم 2797 وتشييد النموذج التنموي الجديد وتنزيل الجهوية المتقدمة.

جوهر العملية الانتخابية ليس قوانين فقط بل إرادة سياسية:

من المؤسف أن يُختزل الإعلام والباحثون والسياسيون العملية الانتخابية في مسألة واحدة هي القوانين المؤطرة، وكأن الانتخابات هي قوانين ليس إلا، وهذا مؤشر خطير على اختزال الانتخابات المقبلة المصيرية في القوانين دون اعتبار الانتخابات إرادة سياسية قبل كل شيء.

قانونا، القوانين التنظيمية تضبط وتقنن الفعل الانتخابي، لكن ما يعطيها نبلها الديمقراطي هو إرادة الدولة والأحزاب والمواطن، هي الإرادة السياسية، لأن الاهتمام بالوجه القانوني للانتخابات دون وجهها الحقيقي السياسي سيفرز انتخابات ومؤسسات بدون أي طعم ديمقراطي يستجيب لانتظارات الشارع الذي هو الرقم الصعب في المعادلة الانتخابية عبر آلية التصويت أو المقاطعة.

قد تنجح الحكومة والبرلمان والأحزاب في إخراج كل القوانين التنظيمية التي ستؤطر استحقاقات 2026 وبكل الوسائل، لكن ما ستعجز فيه الحكومة والأحزاب هو إقناع الناخب بأهمية المشاركة في هذه الانتخابات بعد أن فقد الكثير ثقته في المؤسسات التمثيلية وهيئاتها المنتخبة في زمن سياسي رديء فقدت فيه الأحزاب الكثير من العذرية السياسية.

وعليه، نؤكد أن الإرادة السياسية هي المحرك والموجه الفعلي للمشهد الانتخابي، لكون صناعة القوانين الانتخابية ليست عملية تقنية محضة، بل هي إرادة سياسية تهدف للضبط والتوجيه القبلي لنتائج العملية الانتخابية.

وعليه، فمهما كانت نوعية القوانين المؤطرة للانتخابات، فإنها لن تكون بريئة، بل تعكس هواجس معينة للتحكم وللضبط في المشهد السياسي أكثر من أن تعكس هواجس لإرساء قواعد ديمقراطية للانتخابات، لذلك نعتبر الإرادة السياسية إطارا أساسيا لضمان نزاهة الانتخابات، ومنحها نفسا ديمقراطيا.

أستاذ جامعي، كلية الحقوق أكدال، الرباط.

belcadi@belpresse.com

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *