صبري يكتب عن مستقبل مباحثات نزاع الصحراء في ظل الحرب على إيران

مستقبل مباحثات نزاع الصحراء في ظل الحرب الأمريكية الايرانية وصراع الارادات وحكم قيمي للمبعوث الشخصي ضد الحكم الذاتي
السؤال: هل انضم ديميستورا مدافعا بجانب الجزائر والبوليساريو ضد الحكم الذاتي؟

ينظر حلفاء أمريكا كما غرمائها ومناوئيها ما ستسفر عنه حربها ضد ايران. فالحرب الحالية مؤثرة في شكل النظام العالمي الجديد، الذي هو قيد التشكل منذ مدة، وقد تعجل الحرب المشتعلة في رسم حقيقة صورته المستقبلية.

وقد غطت متابعة يوميات الحرب وتفاقمها وتطورها وتحليلات تعقيداتها ومآلاتها، والتنبؤات بتداعياتها و حصر تردداتها على مجموعة من الأجندات التي تديرها او تشرف عليها او تساهم فيها او تشارك فيها أمريكا على الصعيد الأممي والدولي.

ولم يكن نزاع الصحراء المغربية استثناء من هذه الملفات، فبعد ان احتلت دورات ولقاءات النزاع و محادثاته ومناقشاته ومفاوضاته في كل من مدريد وواشنطن حديث الجميع؛ في الأمم المتحدة كما شغلت اهتمام الاعلام والرأي العام الدوليين، وحشدت اهتمام الدول والقوى الاقليمية والجهوية والقارية قبيل اندلاع الحرب الحالية، تم ساد صمت مطبق ومريب.

بيد أن توارى ضجيج المحادثات وخبو صوت المفاوضات وأفول جدال المناقشات لم يكن وليد الحرب بل هو من شروط المشرفين على هذه اللقاءات أنفسهم، إذ ان امريكا والأمانة العامة للأمم المتحدة نهجوا خطة السرية لتركيز نوعي وتفادي تأثر وتشتيت المشاركين لتعجيل في حصول النتيجة.
دون نفي احساس وشعور الجميع تأثير ما يدور في ساحة الوغى بالشرق الأوسط و تتبع وحصر ورسم تداعيات الحرب ونهاياتها على أهلية قيادة أمريكا للعالم على الجميع بما فيه المشاركون في المحادثات والمشرفين عليها. فهم يدركون ان انتصار امريكا سيجعلها قائدة العالم بدون منازع ولا معارض، الذي يجعلها مهيمنة على النظام العالمي وأجهزه وآلياته.،

إذ سيصبح العالم بمركز وقطب عسكري ومالي واحد بدلا من عالم متعدد الأقطاب تطمح اليه الصين وروسيا ومجموعة اخرى من الدول الصاعدة. بينما وبالمقابل فأي تعثر لأمريكا في حربها على إيران او طولها سيكون سببا لتناسل الشكوك حول قوتها واحقيتها في الاستئثار واحتكار قيادتها للعالم، وسيشجع ذلك بروز واعلان مبادرات التمرد والعصيان على أمريكا لتقويض نظام المبادلات التجارية الدولية التي تتم بالدولار الأمريكي، احدى الأسباب الحقيقية لهذه الحرب.

ورغم ان مناقشات ومباحثات نزاع الصحراء المغربية محكومة منذ بدايتها بطابع السرية بغية منح الفرصة لنجاحها. الذي يجعل القول بأن الحرب الحالية غطت على الزخم والديناميكية الجديدة لتسريع الحل، هو قول مجانب للصواب، مادام القصد والنية والارادة معلن ومتجه منذ البداية نحو اعتماد وتكريس طابعي التكتم والسرية.

علاوة على ذلك فان ما بتم تداوله من تسريبات و انباء وأخبار، ولو شحيحة عن سير المباحثات ومستويات تقدمها، يكذب توقف المفاوضات وانحصارها، مادامت قيد العمل والاستمرار ، ولأن الآجال والعتبات محترمة و محددة ومعلن أجندتها ولم تنصرم بعد.

فالمغرب نفذ التزامه في الوقت الذي قطعه على نفسه بتقديم تفصيل لمبادرته بالحكم الذاتي، وباقي الأطراف في الجزائر والبوليساريو انضموا للمباحثات رغم سابق اعلان الرفض وعدم القبول. وباقي المواعيد الحاسمة سواء تلك المرتبطة بتقييم مهام بعثة المينورسو او تلك المتعلقة بتوقيع اتفاق الاطاري لم تحن أحلها بعد. فأجندة مداولاتها متناسقة ومتناغمة لحصول نتيجة يتم العمل بسرية من أجلها.

وقد انجلت وظهرت بعض مظاهر وتبعات الضغط المستمر على الأطراف،و تطفو كما تدل وتعطي مؤشرات وبوادر وعلامات هذا الضغط على حقيقة مستوى التقدم المحرز في المباحثات، الذي بلغ مدا بحيث تم الحسم في الاطار القانوني الذي هو تنفيذ قرار مجلس الأمن وتجاوز للسياسي والقانوني في مبادرة المغرب بالحكم الذاتي.

فمبادرة المغرب بالحكم الذاتي تجمع بين جوهر وشكل الحل وتتحد فيها أركان الحل في الواقعية والعملية وتوفر مثلما تستجيب لشكل القانون في تقرير المصير. وانتقل النقاش لينصب على الأمور التقنية، وهي لست مجردة محضة بل لها علاقة بجوهر وشكل الحل وببقية الأركان والشروط المشار اليها اعلاه. وهو ما فسح المجال لاستمرار الجدال بروز نقاش والتباعد بين الأطراف، لأن كل طرف تحكمه خلفية وغاية.

بين اتجاه يقوده المغرب وامريكا في اطار تجسيد مبادئ الحكم الذاتي وفق التطبيقات العملية لدول لها تجربة عريقة في نفس شكل الدولة. واتجاه آخر تقوده الجزائر والبوليساريو بموافقة ضمنية ومحتشمة من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان ديميستورا بنوايا مبيتة لتسفيه مبادرة المغرب بالحكم الذاتي و توجيهها نحو الاستقلال تحت جبة الحكم الذاتي الحقيقي.

و الأكيد ان الجزائر والبوليساريو وحتى موريتانيا يتمنون النفس بخسارة أمريكا في حربها ضد ايران، ليتسنى لهم ربح مزيد من الوقت، ولمزيد من المشاكسة والمماطلة والتسويف في سبيل ابتزاز المغرب لتقديم تنازلات للطرفين.

وهو ما أظهرته مجموعة من مطالبات الجزائر التي لم تعد مبطنة، فهي تريد ضمانات باعتراف مغربي بسابق ترسيم الحدود ! وفي ثني المغرب الأبدي عن المطالبة بالصحراء الشرقية، واعترافه بالحدود الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، وتنازله عن الأراضي التي اقتطعتها منه فرنسا في اطار ! كما ان موريتانيا تتمنى تنازل لها عن منطقة لكويرة!

و في المقابل فان المغرب يتطلع ويرجو بدون تقية ولا مواربة انتصارا حاسما، مبهرا وسريعا لأمريكا حتى تضطلع الأخيرة بدور أكبر لتنفيذ التزامها من جانب واحد في اطار المرسوم الأمريكي باعترافها بشرعية سيادة المغرب على كل الصحراء، واتيان واجبها مسؤولياتها الأممية في مواكبة مفاوضات حسم نزاع الصحراء وارساء الحكم الذاتي حلا له.

وهو التزام ليس تعسفا من امريكيا وفق ما قد يبدو ويظهر للبعض، بل ان التزامها وسعيها و تدخلها من صميم قرار مجلس الأمن الأخير في علاقة بالموضوع بمقتضى القرار 2797، الذي تبثها طرفا مواكبا لمحادثات الحل في نزاع الصحراء، فمركزها في الحضور والدفع مؤطر بالشرعية الأممية والقانون الدولي وليس من عمل الفضولي.

*محامي بمكناس / خبير في القانون الدولي، قضايا الهجرة ونزاع الصحراء

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *