يشهد الفضاء الرقمي في منطقة الشرق الأوسط اضطرابات متزامنة مع التصعيد العسكري الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو ما أعاد إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية للاتصالات في مناطق النزاعات.
فقد أفادت مجموعة NetBlocks المتخصصة في مراقبة حرية الإنترنت بأن مؤشرات الاتصال داخل إيران شهدت تراجعا حادا، حيث أظهرت البيانات الحية انخفاض مستوى الاتصال إلى نحو 54 في المائة من المعدلات المعتادة، قبل أن يتراجع لاحقا إلى حدود 4 في المائة فقط على الصعيد الوطني، ما يعني شبه انقطاع كامل للشبكة في عدد من المناطق، من بينها العاصمة طهران.
هذا التراجع الكبير يأتي في سياق ضربات عسكرية استهدفت مواقع داخل إيران، وسط مخاوف متزايدة من تأثير العمليات العسكرية على البنية التحتية الرقمية، خاصة الكابلات الأرضية والبحرية وشبكات الألياف البصرية.
وتعد شبكات الإنترنت الحديثة معتمدة بشكل أساسي على منظومة معقدة من الكابلات البحرية التي تنقل الجزء الأكبر من حركة البيانات العالمية، وأي أضرار مادية تلحق بهذه الكابلات نتيجة قصف أو توترات أمنية قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة تتجاوز حدود الدولة المتضررة.
بالتوازي مع ذلك، شهدت منصات شركة Meta Platforms اضطرابا تقنيا واسعا شمل خدمات Facebook وInstagram وWhatsApp، حيث أبلغ آلاف المستخدمين، خاصة في الخليج والشرق الأوسط، عن صعوبات في تسجيل الدخول، وتعليق مفاجئ للحسابات، وتوقف بعض الأنشطة الإعلانية والتجارية، كما أظهرت بيانات منصة Downdetector ارتفاعا ملحوظا في عدد البلاغات خلال فترة وجيزة، ما يعزز فرضية وجود خلل واسع النطاق.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في الأمن السيبراني حسن خرجوج في تصريح خص به “بلبريس”، أن طبيعة العطب المسجل في خدمات “ميتا” توحي بخلل على مستوى البنية التحتية المركزية، وليس مجرد عمليات حظر فردية أو أعطال معزولة.
وأشار إلى أن الترابط التقني بين منصات الشركة واعتمادها على منظومة سحابية موحدة يجعل أي اضطراب في خوادم المصادقة أو في أنظمة إدارة الجلسات أو في مراكز البيانات الإقليمية ينعكس بشكل مباشر على مختلف الخدمات.
كما طرح فرضيات تقنية، من بينها احتمال وقوع عطب في أحد مراكز البيانات بالشرق الأوسط نتيجة خلل كهربائي أو فشل في الربط الشبكي أو اضطراب في مزامنة الخوادم، إضافة إلى احتمال وجود خطأ برمجي أثناء نشر تحديث داخلي قد يؤدي إلى تفعيل آليات الحماية بشكل غير دقيق.
ورغم تداول بعض المعطيات التي تربط الاضطرابات الرقمية بالأحداث العسكرية الجارية، شدد الخبير على أن الربط المباشر بين الأعطال التقنية والهجمات أو الضربات العسكرية يبقى في إطار الفرضيات غير المؤكدة في غياب بيانات رسمية دقيقة تحدد السبب الجذري.
فالأعطال التقنية الكبرى قد تنجم عن أسباب متعددة، من بينها الضغط المفاجئ على الشبكات، أو أخطاء في التهيئة، أو أعطال في مراكز البيانات، دون أن تكون بالضرورة نتيجة استهداف مباشر.
في المقابل، أثار تراجع الاتصال في إيران موجة من الشائعات على منصات التواصل الاجتماعي بشأن احتمال انقطاع الإنترنت في دول أخرى، مع تداول مقاطع فيديو وتوصيات بتثبيت تطبيقات تعمل دون اتصال بالشبكة.
وفي هذا السياق أكد خرجوج أن احتمالية انتقال الانقطاع إلى بلدان أخرى تظل مرتبطة بطبيعة الربط الدولي للكابلات ومسارات العبور. فالدول القريبة من بؤر التوتر والتي تمر عبرها كابلات أو ممرات بيانات رئيسية قد تتأثر في حال توسع نطاق الأضرار، بينما تظل دول أخرى في مأمن نسبي بفضل تنوع مصادر الربط وتعدد المسارات البحرية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن المغرب يعتمد أساسا على كابلات بحرية تربطه بأوروبا، خاصة عبر فرنسا وإسبانيا، ما يمنحه درجة من الاستقرار في حال وقوع اضطرابات إقليمية محدودة في مناطق أخرى كمصر وأوروبا الشرقية وغيرها من الدول القريبة من بؤرة التوتر.
غير أن التطورات الجيوسياسية المتسارعة تبرز بشكل متجدد أن الأمن الرقمي لم يعد منفصلا عن الأمن الجيوسياسي، وأن استمرار النزاعات لفترات طويلة قد ينعكس ليس فقط على أسواق الطاقة، بل أيضا على استقرار الشبكات الرقمية التي أصبحت عصب الاقتصاد العالمي والتواصل الإنساني.