أعاد إعلان وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية عن طلب عروض لاقتناء أثاث مكتبي بكلفة تقارب 2.9 مليون درهم فتح نقاش واسع حول أولويات الإنفاق العمومي، في سياق تتعالى فيه الدعوات إلى ترشيد النفقات وتعزيز الحكامة وربط الصرف العمومي بالنجاعة والضرورة. فقد أثار حجم الغلاف المالي المعلن تساؤلات في الأوساط المتتبعة حول مدى انسجام هذه الصفقة مع الظرفية المالية الضاغطة، ومع الخطاب الرسمي الداعي إلى عقلنة المصاريف داخل الإدارات.
وحسب المعطيات الواردة في الإعلان، يرتقب فتح الأظرفة الخاصة بالصفقة في السابع من أبريل المقبل، وتتعلق العملية باقتناء تجهيزات مكتبية في إطار صفقة واحدة، بكلفة تقديرية تبلغ مليونين وتسعمائة ألف درهم. ويرى مهتمون بتدبير المال العام أن هذا الرقم، وإن كان قانونيا من حيث المسطرة، يظل مرتفعا نسبيا مقارنة بأسعار السوق، ما يفرض – في نظرهم – نقاشا حول معايير التقييم المعتمدة، وحول الأسس التي بُني عليها تحديد الحاجيات والكلفة.
وتذهب قراءات أخرى إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بقيمة الصفقة، بل بطبيعة المقتنيات واتساع نطاقها، إذ تُظهر معطيات دفتر التحملات أن العملية تشمل حزمة واسعة من التجهيزات موزعة على أربع فئات، تضم مكاتب وكراسي عمل وزوار، وطاولات اجتماعات، وأرائك للصالونات، إلى جانب مكتبات وخزانات ووحدات أدراج ولوحات فصل. كما ينص الملف التقني على توريد هذه التجهيزات مع التركيب، وهو عنصر يساهم بدوره في رفع الكلفة النهائية.
ويؤكد دفتر التحملات أن هذه المكونات تدخل ضمن صلب الصفقة ولا يمكن إخضاعها للمناولة من الباطن، في حين حُدد سقف المناولة في حدود 50 في المائة من مبلغ الصفقة بالنسبة لباقي الخدمات، مع إلزام المتعهد بتقديم ما يثبت أداء مستحقات المناولين عند الاقتضاء. وهي شروط يرى فيها متابعون تشديدا على ضبط التنفيذ، لكنها في المقابل تثير تساؤلات حول مدى تأثيرها على تنافسية العروض وعلى السعر النهائي.
وفي خضم هذا الجدل، يعتبر خبراء في الصفقات العمومية أن مثل هذه العمليات تفرض قدرا أعلى من الشفافية في تبرير الحاجيات الفعلية، وربطا أوضح بين الكلفة والنجاعة، خاصة حين يتعلق الأمر بمصاريف لا تُصنف ضمن الأولويات المباشرة. فترشيد نفقات التجهيز، بحسبهم، يظل مدخلا أساسيا لإعادة توجيه الموارد نحو مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي أوسع، بدل الإنفاق المكثف على تجهيزات يمكن، في حالات كثيرة، تدبيرها بكلفة أقل أو على مراحل تراعي الظرفية والضرورة.