في خطاب يحمل نبرة التقدير السياسي المحسوب، خفف إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، من حدة المعارضة الاتحادية المعتادة، مبديا إشادة استثنائية بدور الحكومة الحالية في إنعاش الحوار الاجتماعي، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام التساؤل حول ما إذا كان “الوردة” يستعد لتبديل جلسته على مقاعد المعارضة النقدية، نحو حكومة مقبلة يطمح للدخول إليها من بابها الواسع.
ففي تصريح له خلال حلوله ضيفا على برنامج “للحديث بقية” بالقناة الأولى، ذهب لشكر إلى حد القول إن “من ينكر عودة الاعتبار للحوار الاجتماعي في عهد حكومة عزيز أخنوش يكون جاحدا”، معتبرا أن هذا الورش عرف “انتعاشا حقيقيا” بعد ركود دام لعقدين. وهي لغة تصالحية نادرة من زعيم حزب ظل لسنوات في موقع المعارضة اللاذعة.
غير أن لشكر، وهو السياسي المخضرم الذي يعرف كيف يوازن بين المد والجزر، لم يمنح الحكومة شيكا على بياض. فقد سارع إلى التمييز بين العودة الإجرائية للحوار، والرضا عن مخرجاته، مشددا على أن كل الأطراف المعنية، بما فيها الحكومة نفسها، لا تخفي عدم رضائها الكامل عن توافقات وصفها بـ”المحدودة”.
لكن اللافت في الموقف الاتحادي هذه المرة، أنه لم يغلق الأبواب بل فتحها على مصراعيها، في توقيت دقيق تزامن مع انطلاق جولات جديدة من الحوار الاجتماعي حول الضريبة على الدخل والالتزامات الاجتماعية والملفات القطاعية العالقة.
فهذه الإشادة العلنية، التي لم يعتد عليها المراقبون من لشكر، تكتسي دلالة سياسية بامتياز: هل هي تمهيد لحكومة ائتلافية مقبلة، يطمح فيها الاتحاد الاشتراكي إلى مغادرة موقع “المساندة النقدية” التي ظل يحتلها طوال ولاية أخنوش، إلى موقع “الشريك الفعلي” في التدبير؟
الحزب الذي طالما تغنى بمعارضته “المسؤولة” و”البناءة”، بدأ تعديل لهجته بشكل يصعب تفسيره بعيدا عن حسابات التحالفات المستقبلية.
فالمساندة النقدية التي كان يمارسها لشكر طيلة السنوات الماضية، سمحت له بانتقاد الحكومة وهو خارجها، والاحتفاظ بورقة الضغط الجماهيري عبر الاحتجاجات الاجتماعية التي أشار إليها بنفسه. لكن يبدو أن هذه الورقة باتت، في تقديره، أقل فعالية مع استئناف الحوار الاجتماعي وامتصاص جزء من الغضب النقابي.
ومن جانبه، يقدم مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، الدليل على أن الحكومة تواصل مشاوراتها بجدية، متحدثا عن إصلاح الضريبة على الدخل وفتح ملفات قطاعية متعددة. وهي رسائل غير مباشرة إلى أحزاب المعارضة بأن الحكومة ليست في وارد التوقف عند حدودها الحالية.
السؤال الذي يطرحه المشهد السياسي اليوم، وسط هذه المتغيرات في الخطاب الاتحادي، هو هل يريد إدريس لشكر حكومة أخنوش الثانية، أم يريد أن يكون هو جزءا من حكومة ما بعد أخنوش؟، لكن في الحالتين، يبدو أن حزب “الوردة” يتجه نحو تغيير استراتيجي، من معارضة تنتقد من بعيد، إلى قوة تفاوضية تحضر مبكرا لتقاسم التدبير، مستغلة تراجع الاحتقان الاجتماعي وعودة الحوار إلى الواجهة.