يسود ترقب في المغرب إزاء ما ستحمله الدورة الثالثة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين الرباط ومدريد، التي أُعلن أول أمس الخميس عن عقدها في العاصمة الإسبانية بداية دجنبر المقبل، من نتائج وتفاهمات جديدة في سياق إقليمي ودولي متقلب. ويشكل عقد هذا الاجتماع محطة حقيقية لاختبار قدرة البلدين الجارين على تثبيت المنحى الجديد الذي اتخذته العلاقات، بعد طي صفحة أزمة دبلوماسية حادة وسنة من القطيعة بين الطرفين، على خلفية استقبال إسبانيا في إبريل 2021 زعيم جبهة “البوليساريو” الانفصالية إبراهيم غالي.
وقبل أيام من انعقاد الاجتماع رفيع المستوى برئاسة كل من رئيس حكومة المغرب عزيز أخنوش، ورئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، كان لافتاً تأكيد رئاسة الحكومة المغربية في بيان، أمس الخميس، أن الدورة الثالثة عشرة محطة دبلوماسية جديدة “تأتي تكريساً للعلاقات الثنائية المتميزة التي تربط بين الرباط ومدريد، وتعبيراً عن الإرادة السياسية القوية لدى حكومتي البلدين للدفع بهذه العلاقات نحو مستويات أرحب من التعاون والتنسيق”. كما تأتي الدورة، بحسب رئاسة الحكومة المغربية، تتويجاً لمسار من التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بين المملكتين، خاصة بعد استئناف العلاقات في ربيع 2022 وما تبعه من تفعيل آليات التعاون الثنائي. في حين، يُتوقع أن يتم خلال الاجتماع التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الهادفة إلى تطوير آليات التعاون في مجالات حيوية كالهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة والطاقات المتجددة والتعليم والثقافة.
كما يتضمن برنامج هذا الاستحقاق الثنائي تنظيم أشغال المنتدى الاقتصادي المغربي الإسباني، والذي سيعقد في 3 دجنبر القادم بالعاصمة الإسبانية، أي قبل يوم واحد من التئام الاجتماع رفيع المستوى، مما يعكس الأهمية القصوى التي يوليها الطرفان لتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية بموازاة الحوار السياسي. وتعد إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، والمستثمر الأجنبي الرئيسي في عدد من القطاعات، بينما يشكل المغرب بوابة العبور الاستراتيجية للاستثمارات الإسبانية نحو الأسواق الأفريقية.
إلى ذلك، اعتبر رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، نبيل الأندوسي، في حديث مع “العربي الجديد” أن إعلان المغرب وإسبانيا بشكل رسمي عن عقد الدورة 13 للاجتماع رفيع المستوى يحمل عدة دلالات سياسية ودبلوماسية واقتصادية مهمة، خاصة بعد التطور الإيجابي للعلاقات بين البلدين خلال السنتين الأخيرتين. ومن أهم هذه الدلالات، وفق الأندلوسي، تثبيت مسار المصالحة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد، وبناء جسور التعاون وتعميق العلاقات الثنائية بينهما، في إطار تأسيس مقومات “شراكة استراتيجية” متجددة وتوثيق أواصرها.
ورأى الأندلوسي أن عقد هذا الاجتماع هو بمثابة تأكيد للالتزام بالخريطة الجديدة للعلاقات بين البلدين، الموقع في إبريل 2022؛ خاصة على مستوى تعزيز التنسيق الأمني والهجرة والجمارك والتبادل التجاري، لافتا إلى أن هذا الاجتماع يمكن أن يعطي نفسا جديدا للتعاون الاقتصادي، وتعزيز الاستثمارات ما بين البلدين. وبشكل عام، أكد الأندلوسي أن القرار يعكس أن المغرب وإسبانيا يفتحان مرحلة جديدة، ويؤكدان استمرار الشراكة الاستراتيجية بينهما المبنية على الثقة والتعاون في الملفات الكبرى، خاصة الأمن، وتأكيد الدعم الإسباني لمغربية الصحراء والاقتصاد والطاقة والهجرة والحدود.وبالنسبة إلى رئيس منتدى الباحثين في السياسات العمومية والباحث في العلاقات الدولية، محمد صابر، فإن الاجتماع رفيع المستوى الذي تم الإعلان عنه من جانب الرباط ومدريد ليس بـ”الأمر الغريب، وذلك راجع للمسافات السياسية والدبلوماسية بين البلدين والتي أصبحت اليوم متقاربة بشكل كبير جداً أكثر من أي وقت مضى”، مشيراً في حديث لـ”العربي الجديد” إلى أنه في ظل هذا الواقع كان لا بد من بلورة هذا التقارب السياسي والدبلوماسي على باقي المجالات، رغم أن مجالات التعاون بين البلدين على مستويات عدة كانت قائمة منذ الاجتماع رفيع المستوى السابق.
وأوضح صابر أنه في الفترة الحالية أصبح هناك تقارب أكبر بين الرباط ومدريد، وهو الاتجاه الذي أرادت الجارتان أن تعطياه وقعاً آخر، من خلال توقيع مجموعة من الاتفاقيات الجديدة في مطلع الشهر المقبل على مستويات عدة، مثل الفلاحة والنقل وخاصة النقل البحري وفي مجال تهيئة البنية التحتية بالنظر إلى الرهان المشترك بين البلدين في إنجاح التظاهرة الرياضية الكبرى المتمثلة في الاحتضان الثلاثي لكأس العالم 2030. وكذلك تسهيل التنقل بين البلدين على المستوى البحري، فضلا عن مجالات أخرى كالصناعة والتجارة والأمن والهجرة وبعض الجوانب الاجتماعية الأخرى، دون نسيان أن هذا الاجتماع سيسبقه منتدى اقتصادي مغربي إسباني.
من جهة أخرى، رأى صابر أن المغرب سيوسع دائرة التعاون الدولي والاجتماعات من هذا المستوى مع دول أخرى لا تقل أهمية عن إسبانيا من أبرزها الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، مضيفا: “الدينامية الدبلوماسية التي يسير عليها المغرب اليوم تجعل من الرباط شريكا موثوقا به على المستوى الدولي، وهو ما ينعكس على جلب الاستثمارات والتعاون الدولي في مجالات عدة منها ما هو اقتصادي وأمني وغير ذلك من المجالات التي لا تقل أهمية عما سبق”.
وكانت العلاقات بين الجارين قد اتخذت منحى غير مسبوق في تاريخ العلاقات بينهما، بعد توجيه سانشيز رسالة إلى ملك المغرب محمد السادس في 18 مارس 2022 تعهد فيها ببناء علاقة جديدة مع المغرب مبنية على الثقة والشفافية والتواصل والاحترام المتبادل والامتناع عن أي عمل أحادي الجانب، مشدداً على أن بلاده “ستعمل بشفافية مطلقة تتوافق مع صديق وحليف عظيم، كذلك ستفي دائماً بالتزاماتها ووعودها”.
ومكنت الخطوة الإسبانية من طيّ صفحة أزمة دبلوماسية حادة وعام من القطيعة بين الطرفين، على خلفية استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو. فيما رسمت المباحثات التي جمعت الملك محمد السادس برئيس الحكومة الإسبانية، في 8 إبريل 2022، تفاصيل “خريطة طريق” لإنهاء القطيعة الدبلوماسية، وهي الخريطة التي وصفها البيان المشترك الذي صدر عقب انتهاء المباحثات بـ”الدائمة والطموحة التي تتضمن معالجة المواضيع ذات الاهتمام المشترك بروح من الثقة والتشاور، بعيداً عن الأعمال الأحادية أو الأمر الواقع”.
يُذكر أن آخر اجتماع رفيع المستوى بين الرباط ومدريد عُقد في فبراير 2023 بالعاصمة المغربية، وأسفر آنذاك عن سلسلة من الاتفاقيات التي همت مجالات التعليم، النقل، التعاون الأمني، التبادل الاقتصادي، والثقافة، وشكل محطة مهمة لإعادة بناء الثقة وتجديد الالتزام الثنائي بفتح مرحلة جديدة من التعاون الشامل.
العربي الجديد