قالوا عن صعود اليمين المتطرف في الانتخابات الفرنسية وتأثيرها المحتمل على المغرب

لا تزال تداعيات الانتخابات الأوروبية الأخيرة تُلقي بظلالها على القارة العجوز، حيث تُثير المكاسب التاريخية التي حققتها الأحزاب المنتمية لليمين المتطرف موجة من الجدل والقلق، ليس فقط داخل أوروبا، بل في الدول المغاربية أيضًا.

فقد شهدت الانتخابات صعودًا ملحوظًا لليمين المتطرف، مما ينذر بتحولات جوهرية في مقاربة الاتحاد الأوروبي لعدد من الملفات، داخليًا وخارجيًا.

ويرى المحللون أن هذا الصعود يعكس حالة من الاستياء الشعبي من النخب السياسية التقليدية، وتزايد المخاوف من الهجرة والتهديدات الأمنية، بالإضافة إلى تداعيات الأزمات الاقتصادية.

تاج الدين الحسيني: وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في فرنسا ستكون له انعكاسات سلبية على المغرب

أوضح محمد تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في البلدان الأوروبية، ستكون له انعكاسات سلبية على بلدان الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وخاصة على المغرب، لا سيما وأن أجندة هذه الأحزاب، تتضمن عدة التزامات واستحقاقات، تهم القضايا الأساسية لهذه البلدان، لعل أبرزها، مسألة الهجرة الجماعية، التي يؤكد اليمين على ضرورة إيقافها بشكل مطلق ونهائي”.

وإلى جانب هذا، شدّد المتحدث، على أن “مصير المهاجرين المغاربة، وباقي بلدان جنوب البحر المتوسط، داخل أوروبا، سيواجهون الشتات”. مشيراً إلى أنهم “قد يتعرضون للطرد الجماعي، ومعاملات غير منصفة، فيما يتعلق بحقوق الإنسان بشكل عام، وسط تحديات تشكل خطورة بالنسبة للتعايش السلمي في هذه المنطقة من العالم”.

وأشار محمد تاج الدين الحسيني، إلى أنه، “نظرا لتفتح المغرب، وقدرته على الحوار، سيتمكن بوسائله الخاصة، من التعايش مع أي نظام تفرضه الوضعية الراهنة، بل وحتى تحدياته في المستقبل، وعلى رأس هذه الإشكالات، المهاجرين المغاربة الموجودين داخل التراب الفرنسي، والذين يتجاوز عددهم مليون نسمة”.

بل، والأكثر من ذلك، يضيف أستاذ العلاقات الدولية، أن “المغرب سيكون مُستعداً لإظهار نماذج أخرى من التعاون مع بلدان الاتحاد الأوروبي، بما فيها فرنسا”. مشيراً إلى أن “الزيارات المتكررة التي قام بها مسؤولون فرنسيون خلال الأشهر الماضية، والتي أعادت الدفئ مرة أخرى للعلاقة المغربية الفرنسية التي طبعها نوع من الجمود، كانت منتجة، وأدت إلى وضع برامج طويلة الأمد”. مستبعدا “إضعافها بوجود اليمين المتطرف، أو إحداث تراجعات بخصوصها، وهو الشأن بالنسبة كذلك، لعدد من المجالات التي ستعرف تطورا بين البلدين في المستقبل”.

مصطفى الطوسة: صعود اليمين المتطرف في فرنسا سيناريو يقلق المغرب والجزائر

ويرى مصطفى الطوسة المحلل السياسي في الشأن الأوروبي، أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا عامة وفرنسا خاصة سيكون له تأثيرات كبيرة على دول المغرب العربي، خاصة المغرب والجزائر. حيث يعتبر البرلمان الأوروبي مؤثراً في اتخاذ قرارات هامة مثل الاتفاقيات الاقتصادية ومكافحة الهجرة.

وأشار الطوسة في تصريح لجريدة "بلبريس"، أن بلدان شمال أفريقيا تتابع باهتمام كبير عواقب ما يسميه إيمانويل ماكرون "الرياح العاتية" التي تهب على القارة الأوروبية والتي تعد العقول لقبول حتمية السيطرة القصوى على السلطة، لافتا إلى أنه 'إذا كانت هذه الانتخابات الأوروبية لديها فرصة ضئيلة لتغيير التوازن الرئيسي داخل البرلمان الأوروبي، مع تغيير الرؤى والاستراتيجيات، فإنها تمهد الطريق لموقف قهري لليمين المتطرف الذي ستكون شهيته للسلطة أكبر في اليوم التالي لهذه الانتخابات". .

وأردف المحلل السياسي أن الرباط تتابع، مثل الجزائر العاصمة وتونس ونواكشوط، هذه التطورات باهتمام شديد، وتكتشف كل دولة المخاطر والفرص بطريقتها الخاصة، بالنسبة لبلد مثل الجزائر، لا يزال اليمين المتطرف يحافظ على هذا التراث الحنين الذي لم يقبل أبدًا استقلال البلاد. وستكون المصالحة التذكارية التي دعا إليها إيمانويل ماكرون تحديا بعيد المنال بالنسبة لمارين لوبان.

خالد الشيات: الانتخابات الأخيرة لفرنسا ليست مفاجئة للمغرب

وفي المقابل، استبعد خالد الشيات، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول، أن تؤثر الأحزاب الانتخابية بشكل كبير على مسار العلاقات المغربية الفرنسية إلا في مستوى الخطاب أو التأثير، حيث تظل العلاقات مرهونة بالجوانب الاستراتيجية التي تحكمها، معتبرا أن هذه العلاقات تعتمد على قواعد وأسس مستقرة، تحكمت فيها مجموعة من الضوابط خلال العقود الأخيرة، وهذه الضوابط تُمسك بزمامها الدولة الفرنسية، بينما يتخذ المغرب موقفًا متوازنًا معها.

وأشار الشيات في تصريح لـ "بلبريس" إلى أن هناك ضوابط أخرى تحكم هذه العلاقة، مثل الكتل الداعمة لفرنسا في المغرب أو العكس، والمسألة الثقافية والحضارية، مضيفا أن الانتخابات الأخيرة التي شهدتها فرنسا، والتي أفرزت اليمين المتطرف كقوة سياسية أولى، ليست مفاجئة للمغرب، ذلك أن اليمين المتطرف يركز على السياسة الداخلية أكثر من السياسة الخارجية، حيث يولي الأولوية للدولة على حساب الاندماج الإقليمي ويهتم بقضايا الهوية والثقافة والهجرة.

ويؤكد الشيات أن العلاقات بين المغرب وفرنسا ستظل مرهونة بهذه الجوانب التقليدية، خاصة فيما يتعلق بالهجرة واللجوء، وأن هذه النقاط ستكون مدخلاً للتفاهم مع حكومة يمينية أو قد تكون عوامل ضغط تمارسها فرنسا على المغرب، خاصة فيما يتعلق بالمغاربة المقيمين في فرنسا بشكل غير قانوني.

وحسب المتحدث ذاته فإن هذا الأمر سيظل في إطار السياسة والاستراتيجية ولن يؤثر بشكل كبير على مسار العلاقات بين البلدين، لافتا إلى وجود نماذج كثيرة في أوروبا لليمين، وأن هناك توازنات حزبية في فرنسا قد تؤثر على شعبية اليمين لاحقًا، مؤكدا على ضرورة توازن السياسة الخارجية المغربية مع المكونات الحزبية والسياسية في الدول الأوروبية، نظرًا لإمكانية تولي أي جهة السلطة في تلك الدول عبر الانتخابات.

حسن بلوان: التعاون بين البلدين قائم على أسس راسخة لا تتزعزع بتغيرات المناخ السياسي الداخلي لفرنسا

واعتبر حسن بلوان، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريحه لـ"بلبريس"، أن المملكة المغربية طورت آليات تعاون قوية مع جميع الأطراف السياسية في فرنسا، وأن التعاون بين البلدين قائم على أسس راسخة لا تتزعزع بتغيرات المناخ السياسي الداخلي لفرنسا.

وذكر أستاذ العلاقات الدولية، بأن العلاقات المغربية الفرنسية هي علاقات عريقة وتقليدية وتوصف بالنموذجية في التعاون بين الشمال والجنوب، خاصة في فضاء جيوستراتيجي يعرف مدا وجزرا يمثله الفضاء البحر الأبيض المتوسطي، مؤكدا على أنه "مهما كانت نتائج الانتخابات الجمهورية الفرنسية سواء الرئاسية أو التشريعية لا يمكن أن تؤثر بأي حال من الأحوال في العلاقات المتميزة والاستراتيجية بين المملكة المغربية وفرنسا".

وأوضح بلوان أن ما وقع مؤخرا في الانتخابات الأوروبية التي اكتسح فيها اليمين وأقصى اليمين الانتخابات الأوروبية خاصة فرنسا، هو شأن سياسي داخلي لفرنسا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يؤثر على العلاقات العميقة بين البلدين.

واضاف المحلل السياسي "صحيح أن هذه العلاقات مرت بمرحلة من الجمود لكن دون أن تقطع شعرة معاوية بين البلدين، خاصة مع اقتناع النخب الفرنسية بأن المملكة المغربية هي البوابة الحصرية للدخول نحو إفريقيا والتي تعرف فيها السياسة الخارجية مجموعة من الانتكاسات"، مشددا أن "هناك اقتناع بأن المغرب لاعب أساسي في الاستقرار الإقليمي ومنصة للتبادلات الاقتصادية بين الاتحاد الإفريقي والقارة الأوروبية".

وأضاف بلوان أن الدبلوماسية المغربية تتميز بالواقعية والمصداقية، وتعتمد على التعاون البناء والمصالح المتبادلة بمبدأ "رابح-رابح"، وهو الضامن الوحيد لاستمرار العلاقات المغربية الفرنسية. وأكد أن النخب الفرنسية ومؤسسات الدولة تدرك أنه لا يمكن تصور علاقات استراتيجية في إفريقيا أو الفضاء المتوسطي دون المملكة المغربية.

محمد شقير: تداعيات نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية تعكس رؤية الجالية الفرنسية المقيمة بالمغرب

أوضح المحلل السياسي، محمد شقير، أن تداعيات نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية على الشؤون الخارجية للسياسة الأوروبية “تعكس رؤية الجالية الفرنسية المقيمة بالديار المغاربية عامة، والمغرب خاصة، تجاه سياسات إيمانويل ماكرون، ونظام الحكم في فرنسا خلال السنوات الأخيرة”.

وسجل محمد شقير، أنه “في الوقت الذي كانت تركز فيه انتخابات البرلمان الأوروبي تقليديا على قضايا داخلية، مثل ملف الهجرة، والسياسة الزراعية، وتغير المناخ، ومعدلات التضخم، تأتي خصوصية انتخابات هذا العام، في تناولها لمواضيع وأزمات تقع خارج أسوار الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها الحرب الإسرائيلية الدائرة في قطاع غزة منذ حوالي سبعة أشهر”.

وحول سبب دعم الفرنسييين المقيمين في المغرب، لأحزاب معروفة بتأييد مقترح القطع بشكل كلي مع الهجرة، ما يتعارض مع تفسير سبب إقامتهم في دول أجنبية، أوضح المحلل السياسي، أنه “لا يمكن تعميم اختيارات فئة معينة داخل كل مجتمع”. مشيرا إلى أن “ملف الهجرة ليس الوحيد ضمن سياسات هذه الأحزاب التي تصدرت الانتخابات داخل أوروبا، وإنما هناك عدة قضايا يراها الفرنسيون المقيمون في المغرب، أو دول أخرى، ذو ضرورة ملحة، تعكس رغبتهم في التغيير، خصوصا تلك التي يدافع عنها حزب اليسار”.

وإلى جانب هذا، شدد المتحدث عينه، أن “التعايش مع المجتمعات العربية، والتكوين السوسيولوجي للجاليات الأوروبية، تأثر على بعض من قراراتهم”. مبرزا أن “الحرب الدائرة في قطاع غزة، كان لها تأثير على نظرة مواطني الدول الغربية في إعادة النظر في سياسات بلدانهم تجاه ما يقع في هذه المنطقة من العالم”.

محمد جدري: خطاب اليمين المتطرف موجه للاستهلاك الداخلي فقط

استبعد المحلل الاقتصادي، محمد جدري، أن يضر صعود اليمين المتطرف في الانتخابات الاوروبية الأخيرة بمصالح المغرب على المستوى الاقتصادي على الأقل على المدى القصير والمتوسط، مشيرا إلى أن خطاب اليمين المتطرف موجه للاستهلاك الداخلي فقط.

وقال جدري إن المغرب تربطه عقود تجارية واقتصادية مع الاتحاد الأوروبي من جهة، ومع مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وهي التي تنظم العلاقة بين هذه الأطراف والتي تنص على ضمانات تحمي حقوقها.

وأضاف أن ما يؤكد هذا الطرح هو رئيسة الوزراء الإيطالية التي تنتمي إلى هذا التيار، وهي التي بدأت في تغيير سلوكها، ولم تتمكن من تغيير السياسة الخارجية والاقتصادية لإيطاليا، وبالتالي، فإن أن شعار اليمين المتطرف هو شعار للاستهلاك الداخلي فقط ولا يستهدف شركاء الاتحاد الاوروبي الأساسيين، وفق تعبيره.

نجيب مهتدي: هذه الانتخابات لا ينبغي أن تشكك في جوهر العلاقات بين الرباط وبروكسل

وفي تصريح لمجلة جون أفريك ” الفرنسية، أكد نجيب مهتدي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، على أن هذه الانتخابات لا ينبغي أن تشكك في جوهر العلاقات بين الرباط وبروكسل، مشيرا إلى أن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تصب عموما في صالح أوروبا وهي جزء من استمرارية التبادل غير المتكافئ للعلاقات بين الشمال والجنوب”.

زكريا أبو الذهب: يجب على أعضاء البرلمان الأوروبي الاعتماد على المعاهدات المتعلقة بعمل الاتحاد الأوروبي

وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه الأستاذ في جامعة محمد الخامس في الرباط، زكريا أبو الذهب، في تصريح للصحيفة الفرنسية، إذ أشار إلى أن هذه النتائج لن تؤثر بشكل كبير على العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لأنه “يجب على أعضاء البرلمان الأوروبي، بغض النظر عن لونهم السياسي، الاعتماد على المواثيق التأسيسية، والمعاهدات المتعلقة بعمل الاتحاد الأوروبي”.

عبد النبي صبري: المغرب يتميز بحكمة اقتصادية وسياسية وعرف كيف يتعايش مع أي واقع جديد

أكد عبد النبي صبري، الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية والجيوسياسية، جامعة محمد الخامس بالرباط، أن المغرب يتميز بحكمة اقتصادية وسياسية وعرف كيف يتعايش مع أي واقع جديد، مشيرا إلى أن حكومات فرنسا وألمانيا وإسبانيا في الماضي، أدركت بعد أزمتها مع المغرب أنها اتجهت نحو الطريق الخطأ والسلوك الغير مقبول، وبالتالي كان اختيار المملكة المغربية، هو تعزيز البناء الداخلي، عن طريق تعزيز الديمقراطية والحقوق والحريات وثقافة المؤسسات، لأنه السبيل الوحيد إلى تحصين مناعة الداخل، ومساعدة الدولة في اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه الدول التي قد تأتي بقرارات تؤثر على مواطنيه.

على المستوى الدبلوماسي، فالقانون الدولي واضح، والأوروبيون لم يتعلموا من دروس الماضي، في حين أن المغرب تعلم من دروس الماضي، فهم لم يغيروا الطريقة والأسلوب، الأمر الذي ساهم في صعود نجم الأحزاب المتطرفة بهذه الطريقة المثيرة.

مسألة أخرى، أوردها صبري في تصريحه وهي أن أوروبا تحتاج إلى الشراكة مع الدول الأوروبية، ومع إفريقيا ومع دول جنوب المتوسط، التي أغلبها دول أفريقية، لأنها تصب في صالح أوروبا بشكل عام.

 


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.