العبث الحكومي: التنمية بدون اسراتيجية عمل فاشل

الخطابين الملكيين الأخيرين (العرش،و20 غشت 2019) أبرزا بشكل جلي أن تدبير الشأن الوطني، خاصة على الصعيد التنموي، يعيش حالة من الفشل والافلاس.
الحكومات المتتالية لم تكن قادرة على السير بالبلاد نحو مستقبل أفضل، فنسبة النمو الاقتصادي لا تتعدى في الواقع 2,5 إلى 3 في المائة، مع العلم أن النمو الاقتصادي في المغرب لا يزال مرتبطا بالموسم الزراعي وكمية هطول الأمطار!!.
فإذا كان من الضروري تحقيق مستويات نمو كبيرة إقتصاديا لتحقيق تنمية بمختلف القطاعات، فهذا أمر غير قائم ولا وارد في الوقت الراهن ببلادنا، وهو ما تؤكدة التقارير الوطنية والدولية،ففي تقريرٍ للبنك الدولي والذي كشف عن توقعات الاقتصاد العالمي لسنة 2019 ، نلاحظ، مثلا، أن موريتانيا ستحقق نسبة نمو تصل إلى حوالي 4,5 بالمائة في هذه السنة (2019).وأيضا على سبيل المثال فالاقتصاد الصومالي سيبلغ نموه من 3 الى 4 في المائة في نفس السنة.
أليس من العيب أن يكون نمو الاقتصاد المغربي أقل أو حتى يساوي نمو اقتصاديات دول عرفت اضطرابات سياسية متوالية، ومنها من دمرتها الحروب الاهلية المستمرة تدميرا !؟
كيف يمكن الحديث عن التنمية وحجم الديون المتراكمة على كاهل البلاد تتعدى وتفوق 722.7 مليار درهم إلى حوالي 900 مليار درهم في السنتين الأخيرتين؟!.
فوفقا لأرقام رسمية فمديونية الخزينة العامة للمملكة تشكل في السنوات الأخيرة حوالي 65% من الناتج الداخلي الخام ،إنه رقم مخيف وأمر رهيب،ويزداد الواقع رعبا حينما تلجأ الحكومة الى ديون جديدة لتسديد الديون القديمة!! إنها حكومة فاشلة تماما في إنتاج وخلق الثروة.
إن الاقتراض من "الحلول" السهلة التي تدمر مستقبل البلاد، لكون الديون تفَقِّدُ القدرة على "صياغة أي منظور مستقل للسياسات التنموية في البلاد"،ففي الواقع ستكون الحكومة المقترضة لا محالة موضوعا لإملاءات وتوصيات وشروط تفرضها المؤسسات المالية الدولية، ودون شك أنذاك سَيُضْرَب المعطى الاجتماعي في الصميم والقطاع العام أساسا وخدماته.
إن السير في اتجاه؛ إنهاء خلق مناصب عمل في إطار الوظيفة العمومية وتعويضه بنظام التعاقد، وخوصصة التعليم وإنهاء مجانيته، والاضطرابات المسترسلة في أنظمة الأجور والتقاعد.. والتهام القطاع الخاص للعام في مسويات عدة..لا يمكن اعتباره إلا توجها له أبعاد خطيرة ومعقدة على مختلف الفئات الاجتماعية، إنها معطيات لا تمثل في حقيقة الأمر سوى تجليا من تجليات الانتكاسة والفشل الذين أصاب الحكومات المتعاقبة في المغرب، خاصة حكومتي بنكيران والعثماني اللتين اشتغلتا في إطار دستوري يفتح لهما الامكانية لخلق تراكمات ايجابية تفضي إلى نتائج متقدمة على الصعيد التنموي.
معدلات هزيلة على مستوى النمو الاقتصادي، عجز بنيوي في الميزانية، ومستويات قياسية في المديونية،ارتفاع البطالة والفقر والأمية..تدني مختلف الخدمات الاجتماعية..،كلها سلبيات تدل على أن البلاد بلغت عمقا في الحضيض، فمؤشرات التنمية تضع المغرب في ذيل الترتيب الذي تنجزه التقارير الدولية، من حيث التنمية البشرية والأداء الاقتصادي،كما هو الأمر لتقرير الأمم المتحدة لسنة 2018 الذي وضع المغرب في الرتبة 123 من 189 دولة،حيث جاء خلف دولا تعرف حروبا ومشاكل جمة ك: ليبيا التي جاءت في المرتبة 108، والعراق في المرتبة 120، وفلسطين التي تعاني الاحتلال في الرتبة 119، ومصر التي تعرف اضطرابات منذ 2011 في الرتبة 115.
هذه المعطيات والارقام تكشف عن أمرين أساسين :
غياب أي تصور مؤسس لدى الحكومة، التي يقودها حزب العدالة والتنمية، لمواجهة المشاكل التي تتخبط فيها البلاد ومواجهة التحديات المطروحة، خاصة على الصعيد التنموي.
غياب الكفاءات القادرة على فهم واستيعاب المرحلة، وتدبير إمكانيات البلاد بشكل واعي وإيجاد الحلول للأزمات في إطار تشاركي/ديمقراطي، بعيدا عن الأنانية والمصالح الذاتية والحزبية الضيقة.
إن ضعف ورداءة الأفكار ، وكذا العجز عن قراءة الحاضر وفهمه والتنظير للمسقبل واستشرافه، لا يعني سوى غياب أي استراتيجية محبوكة ومتطورة لدى المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي وتسييره،غياب يعْدِم الامكانية على صياغة نماذج تنموية تمكن من معالجة المشاكل ومواجهة التحديات الآنية والمستقبلية.
فإذا كانت الاستراتيجية تعني، مبدئيا؛ السياسات والخطط الموضوعة بشكل مسبق وبشكل واعي، والتي تقوم على اعتماد منهجيات لتحقيق الأهداف المحددة في موضوع/مجال معين بالإمكانيات(البشرية،المادية..)الموجودة، مع الأخذ في الاعتبار أن تتحقق تلك الأهداف في زمن وجيز وبتكلفة معقولة.
فبناء عليه، فإن حكومة العدالة والتنمية، الحالية والسابقة، كانت تخبط عشوائيا لا على صعيد وضع الخطط، ولا على صعيد الطرق والمنهجيات المعتمدة في التدبير، ولا على مستوى رصد ماهية الأهداف المعينة تحقيقها،ولم تكن تتوفر على كفاءات وكوادر مؤهلة ومتمرِّسة لتحقيق الغايات المنشودة، ما يعني بكل بساطة الاشتغال خارج نطاق أي توجه استراتيجي مدروس.
في غياب النظرة الاستشرافية لدى الحكومة والتنبُُّؤ العلمي بمستقبل البلاد يحل القدر والطبيعة مكانهما، ليتحكما في "صنع السياسات" التنموية ونتائجها، وهذا ليس بالأمرالفجائي بل معطا ينسجم نظريا مع التوجهات الاديولوجية لبعظ الأحزاب التي تتركب منها الحكومة.
إذا كان الارتقاء بالبلد اقتصاديا وتنمويا يستدعي برامج واستراتيجيات مناسبة، منها مايجب أن يكون عاما وشاملا في إطار التوجهات الكبرى للملكة، ومنها ما يجب أن يكون خاصا بكل قطاع على حدة،فإن حل المشاكل الطارئة والأزمات الفجائية(في الصحة ،السكن،البنيات التحتية،الكوارث الطبيعية،الفيضانات الجفاف...) تفترض أن يكون للحكومة حس استباقي وتكتيك لاحتوائها ومعالجتها والقضاء على أسبابها، في حين نجد منطق الارتجال البدائي الذي يفتقد لأي استشعار مبكر لتقليص المخاطر والحد منها هو السائد.
أمام فشل الحكومة في بناء نموذج تنموي قادر على الاستجابة لطموحات المغاربة، وفي غياب أي جهد منها في العودة إلى الكفاءات الوطنية لاستشارتها والاستعانة بقدراتها، وأمام عجزها على التشخيص والرصد والتتبع وتقديم الحلول، بدا واضحا أن إنتاج الافكار والحلول لبناء مغرب اليوم والغد وفق نموذج من صياغة الحكومة الحالية أمر مستعصي، بل في إطار المنطق الذي تشتغل به أمر يبدو في حكم المستحيل.
لذلك برزت مسألة وضرورة التفكير في إحداث 'اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي'، لتقوم بدور فشلت فيه الحكومة، لكون هذه الأخيرة هي المسؤولة عن إنتاج القرار وتنفيذه.

فحينما تتكلف اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي؛ فهذا يعني الافلاس البيِّن للعمل الحكومي في بلورة مشاريع تنموية حقيقية وناجحة، في مختلف المجلات والقطاعات، فرغم أن"هذه اللجنة لن تكون بمثابة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية موازية؛ وإنما هي هيأة استشارية.."، إلا أنها-اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي- ستقوم ب"مهمة ثلاثية: تقويمية واستباقية واستشرافية"، وهي مهام افتراضا يجب أن تقوم بها وتستحضرها الحكومة، خاصة أثناء وضعها للبرنامج الحكومي( الفصل 88 من الدستور)، أوخلال التداول في السياسات العامة والقطاعية والعمومية (الفصل 92 من الدستور).
لكن الحكومة لم تتوَفَّق في هكذا مهامات، أو بالأحرى لم تسطيع البصم على إنجازات تحد من الفوارق الاجتماعية أوخلق مشاريع تذر الثروة تعود بالرفاه على المغاربة وتضمن السلم الاجتماعي، ومن ثمة فإن افتقاد الحكومة لمنظور يروم المهام الثلاثة أعلاه، كما تم تحديدها في خطاب الملك، جاءت فكرة القيام بالتشخيص مرة أخرى للواقع التنموي في البلاد، وذلك أملا في إنتاج نموذج جديد ينقذ الوضع في المغرب انطلاقا من الخلاصات والتوصيات التي ستخرج بها هذه اللجنة ذات المهمة المحددة في الزمن.
حينما تعجز الحكومة عن بلورة استراتيجية تنموية قادرة عن الاستجابة لمتطلبات المواطنين وحاجياتهم، فبالضرورة هناك خلل يكتنفها،سواء على مستوى تركيبتها والكفاءات التي تتوفر عليها، ولا من حيث تفعيلها للقانون وممارستها للصلاحيات المخولة لها دستوريا، خلل يمتد إلى السلوك الذي تنهجه في التدبير والتعاطي مع الاشكالات التي يمكن أن تفرزها التطورات على الصعيد الوطني والدولي.
سوف ينصب الملك اللجنة الخاصة بالنموذج التنمو وستشخص الوضع وستخرج بتوصيات وخلاصات،لكن السؤال كيف تجد هذه التوصيات طريقها للتنفيذ ومن سينفذها؟
الحكومة تتشكل من وزراء ينتمون إلى أحزاب متهالكة بعضها هرمت وشاخت، وبعضها مبتدئة في السياسة وبدائية التفكير وتفتقد للكوادر والتجربة، ولا تؤطرها أية مرجعية أديولوجية علمية واضحة، فهي إذن حكومة مرتبكة وغير منسجمة، فطبيعي أن يكون أداؤها باهتا ضعيفا ولا يستجيب لانتظارات المواطنين.
ومن ثمة فنفس البنية الحزبية القائمة حاليا هي التي يمكن أن يُستخرج منها "البديل" لما هو قائم حاليا، وهنا نستحضر مقولة"فاقد الشيئ لا يعطيعه"،أو على رئيس الحكومة البحث عن كفاءات تقنوقراطية ليقترحها في مناصب المسؤولية الحكومية والادارية، وهنا سيطرح إشكال الانسجام والتوافق مرة أخرى بين وزراء "تقنيين وآخرون "سياسيين/حزبيين" سيستعصي على رئيس الحكومة التنسيق بينهم بنجاح!!، فكيف إذن ستتوفَّق حكومة هجينة في تفعيل التوصيات التي يقتضيها النموذج التنموي الجديد؟ وكيف لأحزابٍ في حالة تناحر مستمر أن تخرج البلاد من أزماتها ومشاكلها المتراكمة..؟.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More