عتمة الجزائر تفضح فشل النظام وتهاوي قطاع الطاقة الوطني

كشف الإعلامي الجزائري عبدو السمار معطيات وصفها بالصادمة حول الانقطاع الكهربائي الواسع الذي شهدته الجزائر ليلة 14 يوليوز 2026، معتبرا أن الأزمة كشفت هشاشة منظومة الطاقة وعرت ما يصفه بفشل سياسات السلطة في إدارة أحد أكثر القطاعات استراتيجية في البلاد.

وبحسب السمار، فإن الانقطاع لم يقتصر على الولايات الـ16 التي اعترفت السلطات بتضررها، بل امتد بدرجات متفاوتة إلى مناطق واسعة في الوسط والغرب، ما أدى إلى حرمان ما لا يقل عن 30 مليون جزائري من الكهرباء، في واحدة من أكبر الأزمات الطاقية التي عرفتها البلاد منذ سنوات.

وأوضح أن شركة “سونلغاز” اضطرت إلى اللجوء لقطع مبرمج للتيار في ولايات إضافية لتخفيف الضغط عن شبكة كهربائية كانت على وشك الانهيار الكامل، بينما استمرت العتمة لنحو ست ساعات في ولايات الشرق، وسط درجات حرارة تراوحت بين 40 و48 درجة مئوية، الأمر الذي فاقم معاناة السكان، وأربك المستشفيات، وعطل وسائل الاتصال، وترك ملايين الأسر دون تبريد أو مياه باردة.

ويرى السمار أن السلطة حاولت اختزال الأزمة في موجة الحر وارتفاع الاستهلاك، غير أن السبب الحقيقي، بحسب روايته، يتمثل في التدهور التقني الذي تعانيه منشآت “سونلغاز” نتيجة سنوات من ضعف الاستثمار وسياسات تقييد الاستيراد التي فرضتها حكومة الرئيس عبد المجيد تبون. ويؤكد أن فرق الصيانة باتت تعتمد على حلول ترقيعية بسبب صعوبة توفير قطع الغيار، في ظل تعقيدات إدارية وبيروقراطية تجعل استيراد المعدات الأساسية يستغرق أشهرا.

كما شكك الإعلامي الجزائري في الأرقام الرسمية الخاصة بالقدرة الإنتاجية للكهرباء، مؤكدا أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 24 ألف ميغاوات، وليس 27 ألف ميغاوات كما تروج الحكومة، وهو ما يعني أن هامش الأمان في الشبكة يكاد يكون معدوما عند بلوغ ذروة الاستهلاك.

وأشار إلى أن اعتماد الجزائر شبه الكامل على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء يجعل المنظومة أكثر هشاشة، خصوصا أن عددا كبيرا من المحطات يعتمد على توربينات غازية تتأثر بشدة بموجات الحر، في وقت ما تزال الطاقات المتجددة تمثل نسبة ضئيلة رغم الإمكانات الشمسية الهائلة التي تزخر بها البلاد.

واعتبر السمار أن هذا الواقع يعكس غياب رؤية استراتيجية لدى السلطة الحالية، متهما إياها بتجميد الاستثمارات الكبرى والاكتفاء باستهلاك البنية التحتية التي شُيد معظمها خلال العقود السابقة، بينما ارتفع الطلب على الكهرباء بشكل متواصل مع النمو السكاني وارتفاع الاستهلاك.

وأضاف أن قطاع الكهرباء يحتاج بصورة عاجلة إلى استثمارات تقدر بنحو 10 مليارات دولار لتحديث الشبكة وبناء محطات جديدة، إلا أن سياسة التقشف التي تعتمدها الحكومة، بحسب تعبيره، تجعل تكرار سيناريو الانقطاع الشامل أمرا واردا في المستقبل.

وفي المقابل، أثارت تصريحات المسؤولين الجزائريين موجة واسعة من الانتقادات، بعدما حمل وزير الداخلية السعيد سعيود المواطنين جزءا من المسؤولية بدعوى الإفراط في استعمال أجهزة التكييف، بينما أكد وزير الطاقة مراد عجال أن الجزائر تمتلك “أفضل منظومة كهربائية في إفريقيا”، في حين اعتبر الوزير الأول سيفي غريب أن ما حدث كان مجرد اختبار أثبت قدرة الدولة على احتواء الأزمة.

هذه التصريحات، وفق مراقبين، عمقت حالة الغضب الشعبي أكثر مما ساهمت في تهدئتها، إذ رأى كثيرون أنها تجاهلت حجم المعاناة التي عاشها المواطنون، وافتقرت إلى الاعتراف بحقيقة الخلل أو تقديم حلول عملية لتفادي تكرار الأزمة.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تحولت ليلة الانقطاع إلى مادة للسخرية اللاذعة، حيث تداول الجزائريون صورا لعائلات قضت الليل في الشوارع والحدائق هربا من الحرارة، فيما سخر آخرون من الخطاب الرسمي الذي يتحدث باستمرار عن “القوة الضاربة” و”تصدير الطاقة”، بينما تعجز البلاد، بحسب تعليقاتهم، عن ضمان تزويد مواطنيها بالكهرباء خلال ذروة الصيف.

ورأى كثير من المعلقين أن أزمة 14 يوليوز لم تكن مجرد عطب تقني عابر، بل محطة كشفت حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يروج لإنجازات كبرى، والواقع الذي يعيشه الجزائريون، حيث تحولت أزمة الكهرباء إلى عنوان جديد لفشل السياسات العمومية في إدارة قطاع يفترض أنه يمثل أحد أبرز نقاط قوة الجزائر.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *