نظمت رابطة المهندسين الاستقلاليين، بشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور، جلسة نقاش حول موضوع “السيادة الغذائية للمغرب: الواقع والرهانات”، وذلك ضمن فعاليات مائدة الإفطار مساء الإثنين 2 مارس الجاري، بالدار البيضاء، حيث ترأس أشغال الجلسة نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بحضور كل من عزيز هيلالي، عضو اللجنة التنفيذية للحزب ورئيس الرابطة، أنوار العلوي الإسماعيلي، الكاتب الجهوي للرابطة بجهة الدار البيضاء – سطات، وستيفن هوفرن، الممثل المقيم لمؤسسة كونراد أديناور في المغرب، بالإضافة إلى عبد اللطيف معزوز، رئيس مجلس جهة الدار البيضاء – سطات.
انطلق العرض الذي قدمه نزار بركة من سؤال إشكالي مركزي: “هل يمكن الحديث عن سيادة غذائية في ظل تراجع هيكلي للموارد المائية؟”، ثم انتقل الحديث إلى التحولات البنيوية في الوضع المائي الوطني وانعكاساتها المباشرة على الأمن الغذائي ورهانات السيادة الغذائية بالمغرب.
في هذا السياق أكد نزار بركة أن متوسط الواردات المائية خلال العقود الأخيرة شهد تقلبات متزايدة، مع تراجع حاد خلال الفترة 2018-2025، حيث لم تتجاوز الواردات 3,87 مليار متر مكعب سنويا، وهو أدنى مستوى يسجل منذ سنة 1945، ما تسبب في سبع سنوات متتالية من العجز المائي بنسبة نقص سنوي تراوحت بين -54% و-85%.
هذا التراجع كان له تأثير مباشر على القطاع الفلاحي، حيث فقد المغرب نحو 40 ألف هكتار من المساحات المخصصة للحوامض خلال خمس سنوات، مع ارتفاع الطلب على القطيع، وزيادة أسعار الأعلاف، ما انعكس على أسعار المنتجات الزراعية.
وأشار نزار بركة إلى التوجيهات الملكية المتعلقة بالسياسة المائية (2022-2024)، التي تعتمد على تعميم الولوج إلى الماء الصالح للشرب، والتخطيط لأفق 2050، مع مقاربة ترابط الماء والغذاء والطاقة، وتعزيز التضامن المائي بين الجهات، وتوسيع تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة وتعبئة الفرشات المائية، إلى جانب تكثيف التواصل مع المواطنين.
وشدد على أن استغلال الفرشات المائية بشكل مفرط يمثل تهديدا هيكليا، حيث بلغ حجم السحب 5.4 مليار متر مكعب سنويا مقابل قدرة استغلال مستدامة لا تتجاوز 2.2 مليار متر مكعب، أي بما يفوق المعدل الطبيعي بحوالي 2.5 مرة، بينما يتم استغلال أكثر من 80% من الآبار والأثقاب بدون ترخيص، مشيرا إلى انخفاض منسوب فرشة سوس من 7 إلى 34 مترا خلال الفترة 2012-2023.
في المقابل، سجلت الفترة بين دجنبر 2025 وفبراير 2026 تحسنا ملموسا في الواردات المائية، حيث بلغت 13,87 مليار متر مكعب، وتم تخزين حوالي 60% منها، ما ساعد على رفع نسبة ملء السدود من 27,6% إلى 70,3%، مع تجاوز 80% في 37 سداً، بينها 13 سدا سجلت فائضا مائيا، ما يضع المغرب أمام مرحلة الظواهر المناخية القصوى التي تتطلب إعادة التفكير الجذري في السياسة المائية، باعتبار البنيات التحتية مطالبة بتدبير الندرة والفيضانات في الوقت ذاته.
وشدد نزار بركة على أن السيادة الغذائية تبدأ من الماء، حيث تذهب حوالي 75% من المياه المعبأة إلى الفلاحة المسقية، وبالتالي فإن غياب مياه السقي يقوض الإنتاج الوطني من الحبوب والقطاني والحوامض، وتجعل السياسة الفلاحية رهينة بتوفر مياه الري على مستوى الأحواض.
في هذا الإطار، أبرز نزار بركة حصيلة البنيات التحتية المائية بالمغرب، والتي تشمل 156 سدا كبيرا بسعة تناهز 20,8 مليار متر مكعب، و150 سدا صغيرا ومتوسطا، و17 محطة لتحلية مياه البحر، و18 منشأة لتحويل المياه، مع قدرة سنوية للتحلية بلغت 350 مليون متر مكعب سنة 2025، وإعادة استعمال 52 مليون متر مكعب من المياه العادمة، إضافة إلى مشاريع الربط بين الأحواض المائية.
كما تناول أهمية ربط الماء بالطاقة، في إطار الشراكة المغربية-الإماراتية الموقعة في ماي 2025، مشيرا إلى أن تحلية المياه على نطاق واسع تستهلك طاقة كبيرة، والحل يكمن في ربطها بالطاقات المتجددة لضمان إنتاج ماء منخفض الكلفة وبصمة كربونية منخفضة، مع نقل 800 مليون متر مكعب سنويا بين الأحواض، وتعزيز القدرات الكهربائية المتجددة.
وأبرز كذلك ضرورة ملاءمة السياسة الفلاحية مع المعطى المائي الجديد، من خلال تعميم السقي الموضعي، وتحسين مردودية شبكات الماء الصالح للشرب إلى 85%، وتوسيع إعادة الاستعمال إلى 100 مليون متر مكعب في أفق 2027، وإنجاز مشاريع لشحن الفرشات، واعتماد أصناف زراعية مقاومة للجفاف.
وفي الختام، شدد نزار بركة على أن التحكم في الماء يعني التحكم في السيادة الغذائية، وأن الرهان لم يعد تحقيق الاكتفاء الذاتي الشامل، بل بناء سيادة غذائية مرنة تقوم على أساس إنتاج وطني استراتيجي للمواد الحيوية، وإنتاج مختلط للمواد شبه الاستراتيجية يجمع بين التصنيع المحلي والاستيراد المؤطر، إلى جانب الانفتاح المرن والمدروس على الأسواق الدولية بالنسبة للمواد غير الحيوية.
ويذكر أن اللقاء شهد تنظيم جلسة نقاش واسعة بمشاركة كل من محمود الودغيري، خبير في الاقتصاد والمالية، كمال الزين، خبير في الاقتصاد والتنمية، زكرياء كارتي محلل اقتصادي ومالي، وهشام المنصوري، رئيس سلسلة الإمداد المتكاملة بوحدة الأعمال الاستراتيجية للتعدين بالمكتب الشريف للفوسفاط.