يعيد التاريخ اليوم نفسه في ملف مطالبة المغرب رحيل البعثة الأممية من العيون بعد بلاغ الديوان الملكي الحاسم، لذلك يصعب فهم ما يجري اليوم حول ملف الصحراء المغربية ومستقبل بعثة المينورسو دون العودة إلى أبريل 2013، حين وجد المغرب نفسه في ازمة مع الولايات المتحدة الامريكية لم تعرفها الدبلوماسية المغربية الامريكية قط.
![]()
أزمة لم تكن مجرد خلاف حول تعديل اختصاصات بعثة أممية، بل كشفت عن طبيعة العلاقة بين المغرب وحلفائه، وعن الحدود التي يمكن أن تصل إليها الشراكة الاستراتيجية عندما تتعارض المصالح أو تتباين التقديرات بشأن قضية يعتبرها أحد الطرفين أساسية في سياسته الخارجية.
وسبب هذه الازمة هو محاولة إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الدفع باتجاه توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان والتقرير بشأنها في الصحراء ومخيمات تندوف.
لكن الرد المغربي جاء قويا على المقترح الأمريكي لاقتناعه بان هذا المقترح ليس مجرد تفصيل تقني يتعلق بتجديد ولاية البعثة، وإنما كان يحمل في طياته تغييراً في طبيعة مهمتها، التي ارتبطت منذ تأسيسها سنة 1991 بمراقبة وقف إطلاق النار ومواكبة المسار الأممي لتسوية النزاع.
لذلك ، لم يتعامل المغرب مع المبادرة الأمريكية بمنطق التحفظ ،بل اعتبر أن الأمر يستدعي تحركاً سياسياً ودبلوماسياً على أعلى المستويات. وكانت الرسالة التي أرادت الرباط إيصالها إلى واشنطن واضحة: العلاقات الاستراتيجية بين البلدين لا تعني الاتفاق في كل الملفات، ولا يمكن أن تكون سبباً في قبول مبادرات ترى فيها المملكة مساساً بمصالحها السيادية الوطنية.
ولعل أكثر ما عكس طبيعة ذلك التوتر قرار المغرب تعليق مشاركته في مناورات «الأسد الإفريقي» العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، وتعليق مناورات «الأسد الإفريقي» العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، وهي خطوة حملت أكثر من دلالة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها هذه التدريبات في منظومة التعاون العسكري والأمني بين البلدين. فقد جاء القرار في وقت كانت فيه الاستعدادات جارية لتنظيم نسخة 2013 من المناورات، بمشاركة نحو 1400 عسكريا أمريكيا و900 عنصرا من القوات المسلحة الملكية، إلى جانب مراقبين دوليين..
لم تكن الخطوة عادية بالنظر إلى أهمية هذه المناورات في التعاون العسكري بين البلدين، كما أنها لم تكن مجرد احتجاج بروتوكولي. فقد اختارت الرباط أن توظف ورقة ذات قيمة استراتيجية في علاقاتها مع واشنطن لتؤكد أن الخلاف حول الصحراء لا يمكن التعامل معه باعتباره خلافاً ثانوياً أو قابلاً للتجاوز دون أخذ الموقف المغربي بعين الاعتبار.
وانتهت المواجهة بتراجع المقترح الأمريكي المتعلق بإدراج مراقبة حقوق الإنسان ضمن اختصاصات المينورسو، بعدما صدر قرار مجلس الأمن رقم 2099 في 25 أبريل 2013 دون اعتماد تلك الآلية. غير أن أهمية هذه المحطة لا تكمن فقط في النتيجة التي انتهت إليها، بل في الدرس السياسي الذي خلفته: المغرب قادر على الاختلاف مع أقرب حلفائه عندما يتعلق الأمر بملف الصحراء، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الشراكة أو الدخول في قطيعة معه.
بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً، يبدو المشهد مختلفاً إلى حد كبير. ففي أكتوبر 2026، لم يعد النقاش داخل مجلس الأمن مقتصراً على إضافة اختصاص جديد إلى المينورسو أو توسيع مهامها، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبلها، وبمدى استمرار الحاجة إلى الصيغة التي اشتغلت بها البعثة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
لقد تغيرت خلال هذه الفترة أشياء كثيرة. فالموقف الأمريكي من قضية الصحراء عرف تحولاً مهماً منذ إعلان الرئيس دونالد ترامب، في ديسمبر 2020، اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء. كما توسعت دائرة الدول التي أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وأصبح هذا المقترح يحظى بمكانة متقدمة في النقاشات الدولية المتعلقة بالبحث عن تسوية سياسية للنزاع.
وفي هذا السياق، جاء مشروع القرار الأمريكي خلال أكتوبر 2026 ليعكس توجهاً نحو إعادة النظر في طبيعة المينورسو، من خلال طرح إمكانية الانتقال بها من بعثة ذات طابع عسكري وميداني إلى إطار سياسي يواكب المفاوضات حول الحكم الذاتي. وهنا تظهر المفارقة التاريخية بين المرحلتين: ففي سنة 2013 كانت واشنطن تقترح توسيع اختصاصات البعثة في مجال حقوق الإنسان، وهو ما واجهه المغرب بالرفض، بينما أصبحت في سنة 2026 تقود توجهاً يرمي إلى تغيير طبيعة البعثة ووظيفتها في سياق سياسي مختلف تماماً.
لكن هذا التحول لم يكن محل إجماع داخل مجلس الأمن. فقد أظهرت المفاوضات بشأن المشروع الأمريكي وجود تباينات بين القوى الكبرى حول طبيعة التغيير المقترح، وحدود الانتقال إلى صيغة جديدة، والضمانات التي ينبغي أن ترافق أي تحول في مهمة الأمم المتحدة. ولم تكن روسيا وحدها في التعبير عن تحفظاتها، إذ ظل النقاش محكوماً أيضاً بمواقف مختلفة بشأن تقرير المصير، ومضمون التسوية السياسية، ودور المنظمة الأممية في المرحلة المقبلة.
وجاء تصويت 30 أكتوبر 2026 ليكشف حجم الانقسام داخل المجلس. فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، رغم حصوله على تأييد أغلبية الأعضاء، فيما لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأصوات الكافية لاعتماده. وكانت النتيجة أن انتهت ولاية المينورسو دون صدور قرار جديد بتمديدها، وهو تطور أعاد الملف إلى واجهة النقاش الدولي وفتح الباب أمام مرحلة غير مألوفة في تاريخ البعثة.
والواقع أن أهمية ما حدث لا تتعلق فقط بانتهاء ولاية المينورسو، وإنما بما كشف عنه من صعوبة التوصل إلى توافق دولي حول الإطار الذي ينبغي أن يحتضن المرحلة المقبلة. فمجلس الأمن الذي ظل لسنوات يتعامل مع البعثة من خلال قرارات دورية لتمديد ولايتها، وجد نفسه هذه المرة أمام خلاف لم يعد يتعلق بمدة التجديد، بل بمضمون المهمة ومستقبلها.
بالنسبة إلى المغرب، يمثل هذا التطور محطة سياسية مهمة في مسار الدفاع عن مقترح الحكم الذاتي، خصوصاً أن النقاش داخل مجلس الأمن أصبح يضع هذا المقترح في صلب البحث عن تسوية للنزاع. غير أن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين انتهاء ولاية البعثة وبين الحسم النهائي في قضية الصحراء. فالأمم المتحدة لا تختزل في المينورسو وحدها، ومجلس الأمن يظل معنياً بالملف، كما أن القضايا المرتبطة بالاستقرار الميداني ووقف إطلاق النار ومستقبل المسار السياسي لا تختفي بمجرد انتهاء ولاية بعثة أممية.
وهنا تبرز إحدى أهم الإشكالات التي ستواجه المرحلة المقبلة: كيف يمكن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الميداني في غياب الإطار العملياتي الذي وفرته المينورسو؟ وما البديل الذي يمكن أن تتبناه الأمم المتحدة لمواكبة الاتصالات السياسية بين الأطراف؟ ثم هل تستطيع القوى الكبرى تجاوز خلافاتها بشأن مستقبل البعثة والانتقال إلى تصور مشترك للتسوية؟
هذه الأسئلة تجعل المقارنة بين 2013 و2026 أكثر من مجرد استعادة تاريخية لمرحلتين مختلفتين. ففي الأولى، كان المغرب يخوض معركة لمنع توسيع صلاحيات المينورسو، وفي الثانية أصبح النقاش يدور حول مستقبلها بعد انتهاء ولايتها. وبين التاريخين، انتقلت الدبلوماسية المغربية من مواجهة مبادرات لم تكن منسجمة مع موقفها إلى العمل داخل سياق دولي تغيرت فيه مواقف عدد من القوى المؤثرة، وأصبح فيه مقترح الحكم الذاتي يحتل موقعاً متقدماً في النقاش الأممي.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال هذا المسار في أزمة 2013 وحدها، لأن التحولات التي عرفها الملف كانت نتيجة تراكم دبلوماسي وسياسي طويل، ساهمت فيه العلاقات المغربية الإفريقية، وتنويع الشراكات الدولية، والتحولات في المواقف الأوروبية والأمريكية، فضلاً عن التحركات المغربية داخل المؤسسات الدولية.
لذلك نقول ، انهاء ولاية المينورسو لا يمثل نهاية النزاع، كما أن التحولات في مواقف القوى الكبرى لا تعني أن الطريق نحو التسوية أصبح خالياً من التعقيدات. فالاختبار الحقيقي بالنسبة إلى جميع الأطراف سيكون في القدرة على الانتقال من إدارة خلاف استمر لعقود إلى البحث عن حل سياسي قابل للتطبيق والاستمرار.
وإذا كانت أزمة 2013 أظهرت أن المغرب لا يقبل بأن تكون شراكاته الدولية على حساب مواقفه الوطنية، فإن تطورات 2026 تضع الدبلوماسية المغربية أمام اختبار مختلف: كيف يمكن استثمار التحولات الدولية الحالية في بناء مرحلة سياسية جديدة، دون إغفال متطلبات الاستقرار والتفاوض والبحث عن تسوية نهائية؟