من يحمي المغاربة من لهيب أسعار المحروقات؟

يعيش المغاربة حالة من الاستنزاف اليومي مع كل موعد لتعديل أسعار المحروقات، حيث بات الاستيقاظ على زيادات جديدة في منتصف كل شهر أو في بدايته مشهدا مألوفا لا يثير الدهشة، بقدر ما يثير الحسرة والاستغراب، خاصة حين تكون هذه الزيادات لا تتلاءم البتة مع ما تشهده الأسواق الدولية من تراجعات.

فالمفارقة التي يقر بها الجميع تكمن في أن السوق العالمية للنفط تعرف انخفاضا مستمرا في الأسعار، بينما تواصل أسعار المحروقات في المغرب ارتفاعها بوتيرة ثابتة، وكأن هناك فكاكا تاما بين المعادلة الدولية وما يحدث داخل المحطات المغربية.

هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالا مشروعا على جميع المواطنين، مفاده من الذي يحمي جيوب المغاربة من هذه الموجة المتصاعدة؟

وتتضاعف حدة الاستفهام عندما يلاحظ أن الزيادات تأتي في أغلب الأحيان دون مبررات موضوعية، إذ تعلن الشركات الموزعة عن رفع الأسعار في وقت تكون فيه الأسواق العالمية في حالة هدوء نسبي، أو حتى انخفاض واضح.

ويرى متابعون أن ما يحدث سببه وجود خلل في آليات التسعير ومراقبة الأسواق، حيث يبقى المستهلك المغربي فريسة لتقلبات قرارات لا تخضع في كثير من الأحيان للمعايير الدولية، بل تخضع لمنطق الربح السريع. ويترتب على هذا الوضع تآكل تدريجي للقدرة الشرائية للأسر المغربية، التي لم تعد تجد مفرا من تحمل أعباء إضافية كل شهر.

وهنا يبرز دور مجلس المنافسة الذي أنيطت به مهمة حماية المستهلك وضمان نزاهة السوق، بعدما كشفت التحقيقات عن ممارسات غير قانونية أضرت بالقدرة الشرائية للمواطنين.

ففي حصيلة غير مسبوقة، كان المجلس قد أصدر حكما بإجمالي غرامات بلغت 1.84 مليار درهم ضد تسع شركات كبرى لتوزيع المحروقات، بعد ثبوت تورطها في ممارسات مخلة بالمنافسة؛ غير أن الجدل حول فاعلية هذه العقوبات ما زال قائما، إذ يرى مراقبون أن المبلغ الإجمالي للغرامة يظل ضئيلا مقارنة بحجم الأرباح غير المشروعة التي قُدرت بعشرات المليارات من الدراهم على مدى سنوات.

ويذهب هؤلاء إلى أن المجلس مطالب اليوم بالانتقال إلى ما هو أكثر صرامة، من خلال تفعيل آليات رقابية فعلية وفرض عقوبات رادعة فورية في حال ثبوت أي مخالفة جديدة.

إلى جانب دور المجلس، تبرز ضرورة تدخل الحكومة بشكل مباشر لحماية المواطن، ويتجلى ذلك في خيار تسقيف أسعار المحروقات، أو على الأقل العودة إلى آلية تحديد هوامش ربح الشركات الموزعة.

فالتسقيف يعد أداة حاسمة لكسر معادلة الربح غير المنضبط، ووضع حد لاستغلال الاحتكارات أو التواطؤ الضمني بين الفاعلين في السوق، غير أن البرلمان سبق أن رفض مقترحات لتسقيف الأسعار وإعادة تأميم مصفاة سامير، مما يظهر تعقيد الملف وحساسيته السياسية؛ ومع ذلك، تبقى الحكومة أمام مسؤولية إيجاد حلول عملية تحمي القدرة الشرائية للمواطن.

ولا يمكن إغفال الدور الذي ينبغي أن تضطلع به جمعيات حماية المستهلك، غير أنها للأسف لا تتحرك إلا مناسباتيا، حيث تظهر بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام لتندد بالارتفاع في أسعار هذه المادة الحيوية، ثم سرعان ما تخفت أصواتها إلى أن تأتي زيادة جديدة؛ وهذه “المقاربة الانفعالية” لا تترك أثرا حقيقيا في صنع القرار، بينما الأجدر بهذه الجمعيات أن تمارس ضغطا متواصلا ومنظما من أجل تحريك المشرع وخلق رأي عام ضاغط وقوي، قادر على تغيير السياسات العمومية عبر الآليات القانونية والدستورية المتاحة، كتقديم العرائض، ورفع القضايا الاستعجالية، والمشاركة الفاعلة في المشاورات البرلمانية حول مشاريع القوانين المرتبطة بحماية القدرة الشرائية.

وفي هذا السياق، يعود الحديث عن خيار استراتيجي آخر يتمثل في إحياء مصفاة سامير التي كانت تمثل شريان الطاقة في المغرب قبل توقفها عن العمل سنة 2015، فقد كانت هذه المصفاة تلعب دورا محوريا في تقليص اعتماد المملكة على واردات المواد المكررة، لكنها تراكمت عليها ديون تجاوزت 4 مليارات دولار قبل إغلاقها.

ومنذ ذلك الحين، أصبح المغرب يعتمد بالكامل على استيراد المحروقات المكررة، مما يجعله رهينا بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الشحن والتكرير، إذ أن إعادة تشغيل هذه المصفاة، التي كانت تبلغ طاقتها الإنتاجية 200 ألف برميل يوميا، قد توفر حاجزا واقيا ضد اضطرابات السوق الدولية وتساهم في استقرار الأسعار محليا، خاصة في ظل خطط الحكومة لاستثمار 5 ملايير درهم لتوسيع قدرات التخزين الوطني واستغلال خزانات سامير ضمن هذه الاستراتيجية.

ويبقى الأمل معقودا على إصلاح جذري في سياسة تسعير المحروقات، يضع حدا لهذا التخبط الذي يعرفه القطاع، ويضمن للمواطن معاملة عادلة تتناسب مع تحولات السوق الدولية، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال تفعيل الدور الرقابي لمجلس المنافسة بشكل عملي، وفرض عقوبات فورية ورادعة، إلى جانب التدخل المباشر للحكومة عبر آليات التسقيف ومراقبة الهوامش الربحية، واستكشاف إمكانية إحياء التكرير المحلي لاستعادة جزء من السيادة الطاقية للمملكة، مع إشراك جمعيات حماية المستهلك في عملية الرصد والمتابعة بشكل دائم وفاعل، فحماية القدرة الشرائية للمواطن لم تعد خيارا بل ضرورة ملحة، في ظل تراجع المدخول وتصاعد الأعباء المعيشية التي تثقل كاهل الأسر المغربية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *