مع اقتراب انطلاق الحملة الانتخابية يوم غد الخميس 10 شتنبر، تدخل الانتخابات التشريعية المغربية مرحلة أكثر حساسية؛ مرحلة لا يتعلق فيها الأمر فقط بتقديم المرشحين لبرامجهم، بل بمحاولة الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: ماذا ينتظر المواطن من الانتخابات المقبلة؟
فخلف الشعارات والملصقات والخطابات الانتخابية، يقف المواطن أمام انشغالات يومية لا تحتاج إلى كثير من الشرح. وظيفة توفر دخلاً مستقراً، أسعار يمكن تحملها، مدرسة عمومية أفضل، علاج يحفظ كرامة المريض، إدارة أكثر سرعة وفعالية، وسكن ملائم، فضلاً عن خدمات عمومية يشعر معها المواطن بأن المؤسسات موجودة لخدمته فعلاً. لذلك، فإن الرهان الحقيقي للانتخابات لن يكون فقط في عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب، وإنما في قدرتها على تحويل تطلعات الناس إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
فخلال الحملات الانتخابية، اعتاد المواطن المغربي على سماع وعود كثيرة، لكن ما تغير اليوم هو أن الناخب أصبح أكثر اهتماماً بالسؤال عن النتائج. فالمواطن لا يريد بالضرورة برنامجاً طويلاً ومليئاً بالأرقام، بقدر ما يريد أن يعرف: كيف ستتحسن حياتي؟ ومتى سألمس ذلك؟
وهنا تبرز قضايا التشغيل باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات. فالحصول على وظيفة مستقرة لم يعد مجرد مطلب اقتصادي، بل أصبح مرتبطاً بالإحساس بالاستقرار والأمان وبالمستقبل. ولذلك سيكون على الأحزاب أن تقدم تصوراً واضحاً حول كيفية خلق فرص الشغل، ودعم الاستثمار، وتشجيع المقاولات، وربط التكوين بحاجات سوق العمل.
وفي مقدمة انتظارات الأسر، تأتي القدرة الشرائية. فارتفاع تكاليف المعيشة يجعل المواطن يقيس السياسات العمومية بميزانية أسرته اليومية: أسعار المواد الأساسية، كلفة السكن، النقل، التعليم والعلاج.
ومن هنا، ينتظر الناخب أن يسمع من الأحزاب حلولاً عملية وليست مجرد شعارات، وأن يعرف كيف ستتعامل مع الضغط الذي تواجهه الأسر، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الحفاظ على القدرة الشرائية ودعم الاقتصاد والاستثمار.
كما تحتل الصحة والتعليم موقعاً مركزياً في انتظارات المغاربة. فالمواطن يريد مستشفى يستقبله في ظروف جيدة، وموعداً طبياً في آجال معقولة، وموارد بشرية كافية، وجودة في الخدمات. وفي التعليم، ينتظر مدرسة تضمن تكافؤ الفرص وتمنح أبناء الأسر المغربية تعليماً جيداً يمكنهم من بناء مستقبلهم.
ولهذا، فإن الحديث عن الإصلاح لن يكون مقنعاً ما لم يلمس المواطن أثره في حياته اليومية. فنجاح أي سياسة عمومية لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على جودة الخدمات المقدمة للمواطن.
انتظارات المغاربة لا تتوقف عند الاقتصاد والخدمات. هناك أيضاً مطلب مرتبط بطريقة تدبير الشأن العام. المواطن يريد منتخباً قريباً منه، يستمع إلى مشاكله، ويتواصل معه، ويقدم حصيلة واضحة عن عمله.
وهنا تبرز مسألة الثقة باعتبارها أحد أهم مفاتيح الانتخابات المقبلة. فكلما شعر المواطن بأن صوته لا ينتهي بمجرد وضع ورقة الاقتراع داخل الصندوق، وأن المنتخب مطالب بالاستماع والمساءلة وتقديم الحساب، زادت أهمية المشاركة السياسية بالنسبة إليه.
مع بداية الحملة في 10 شتنبر، ستتجه المنافسة نحو الشارع والفضاءات العمومية ووسائل التواصل، وستحاول الأحزاب إقناع الناخبين بقدرتها على قيادة المرحلة المقبلة. لكن المواطن سيكون بدوره أمام امتحان: اختيار من يعتقد أنه الأقدر على تحويل الوعود إلى سياسات ونتائج.
وبينما تنتهي الحملة الانتخابية منتصف ليل 22 شتنبر، سيأتي يوم الاقتراع في 23 شتنبر ليضع حداً للخطابات ويبدأ مرحلة الحساب السياسي الحقيقي.
قد لا يكون السؤال الأهم بالنسبة إلى المواطن: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: ماذا سيتغير بعد الانتخابات؟ذلك أن الناخب المغربي لا ينتظر فقط تغييراً في تركيبة مجلس النواب، وإنما ينتظر أن يشعر بأن صوته يمكن أن يكون بداية لتحسين واقعه، وأن الانتخابات ليست مجرد موعد سياسي دوري، بل وسيلة لاختيار من يستطيع أن يجعل الدولة أكثر قرباً من المواطن، والخدمات أكثر جودة، والفرص أكثر عدلاً، والوعود أكثر ارتباطاً بالواقع.