صادق مجلس النواب، في جلسة عمومية عقدها اليوم الثلاثاء 28 أبريل 2026، على مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، وذلك بأغلبية 77 صوتا مقابل 39 صوتا معارضا، ليشكل بذلك محطة تشريعية كبرى في مسار إصلاح المهن القضائية والقانونية بالمملكة.
ووصف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، هذا النص بأنه قفزة تاريخية وتحول نوعي، مشيرا إلى أن المشروع يأتي بعد عقدين من تطبيق القانون رقم 16.03، وهي فترة كافية لتقييم التجربة وتحديد الاختلالات العملية التي رافقتها. وأوضح الوزير، خلال جلسة دراسية نظمتها لجنة العدل والتشريع، أن النص يعكس إرادة حقيقية في تجاوز الثغرات وتعزيز أسس مهنة العدول، ضمانا لاستمراريتها وقدرتها على تلبية تطلعات المواطنين والمتعاملين مع منظومة العدالة.
ويحمل مشروع القانون الجديد، الذي أعد وفق مقاربة تشاركية جمعت وزارة العدل مع هيئة العدول والمجلس العلمي الأعلى والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مجموعة من التعديلات والإضافات التي تهدف إلى مواكبة التطورات الوطنية والدولية. ومن أبرز هذه الإصلاحات، تنظيم الإجازات المؤقتة للعدول لأسباب علمية أو دينية أو صحية لمدة سنة قابلة للتجديد أربع مرات، وإلزام العدول بفتح مكاتب مجهزة بأحدث الوسائل التقنية والرقمية.
كما صنف النص ممارسة العدالة ضمن إطار الخدمة العمومية، ووضع قواعد صارمة للغياب المبرر وتعويض العدول، وألزم العدول بالتأمين الإلزامي على المسؤولية المدنية للأخطاء المهنية. وفيما يتعلق بمسار الرقمنة، ألزم النص باعتماد التوثيق الرقمي كقاعدة عامة، مع استثناء الكتابة اليدوية في حالات استثنائية، وإدخال التوقيع الإلكتروني المؤهل لقاضي التوثيق في أجل أقصاه ثلاثة أيام.
شهدت المادة المتعلقة بتنظيم الشهادة اللفيف أو ما يعرف بالعدول اللفيف نقاشا برلمانيا ساخنا، حيث أثارت الجدل بين مكونات الأغلبية والمعارضة. وأكد الوزير وهبي أن النص الجديد ينظم، ولأول مرة في التشريع المغربي، إجراءات استماع الشهود في التوثيق العدلي، حيث تم تحديد عددهم في 12 شهيدا، ووضع إجراءات دقيقة لمنع أي تلاعب أو تزوير.
ودافع الوزير عن الصيغة التي تم اعتمادها، مشيرا إلى أن مرجعية الفقه المالكي وعرف المهنة يتركان للقاضي تقدير ملاءمة الشهادة حسب كل حالة على حدة، وهو ما اعتبره البعض ثغرة قانونية ومخالفا لمبدأ المساواة الدستوري الذي ينص على تكافؤ الرجال والنساء في الحقوق. وأوضح وهبي أنه في بعض الظروف، يمكن اعتماد شهادة امرأة واحدة كافية، لكن هذا الرأي قوبل بمعارضة نيابية واسعة، حيث طالبت النائبة فاطمة التامني، في إطار دفاعها عن مبدأ المساواة، بصياغة قانونية دقيقة لا تحتمل التأويل ولا تميز بين الجنسين.
من جهتها، اعتبرت فرق المعارضة، وفي مقدمتها فريق العدالة والتنمية، أن تشبث الحكومة بلفظ العدول اللفيف يعد تراجعا عن مكتسبات المساواة. وحذر النائب عبد الله بوانو، رئيس فريق العدالة والتنمية، من أن الاحتفاظ بهذا التعريف الواسع يمكن أن يزيد من عدد الشهود المطلوبين، داعيا إلى تحديد عددهم في 12 أو تقليصهم إلى النصف لتبسيط المساطر.
وترى المعارضة أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كان قد نبه سابقا إلى أن اشتراط 12 شهيدا لم يعد يتلاءم مع التحولات الاجتماعية والديموغرافية التي يعرفها المغرب، داعيا إلى مراجعة جذرية لهذا الشرط لتحقيق الفعالية في النظام القضائي.
من جانب آخر، حرص مشروع القانون على تعزيز آليات الحفظ والأرشفة، حيث أوجب حفظ العقود والشهادات بشكل مزدوج ورقي ورقمي، مع إيداع إلكتروني يومي للوثائق لدى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل عبر منصة رقمية مؤمنة. كما وضع النص آليات صارمة لاسترجاع النسخ إلكترونيا، وحدد بدقة المسؤوليات والصلاحيات في هذا الإطار.
ونص القانون الجديد على عقوبات تأديبية في حالات الغياب غير المبرر، كما اشترط على العدول الذين تجاوزوا سن السبعين تقديم شهادة طبية سنوية تثبت قدرتهم على مواصلة الممارسة المهنية.
تأتي هذه المصادقة بعد أسبوعين من إعلان المجلس الوطني لهيئة العدول بالمغرب عن إضراب تحذيري احتجاجا على ما وصفته بازدراء كرامة المهنيين والقطاع القضائي، معتبرة أن النص في صيغته الحالية يحتوي على مقتضيات قانونية تضر بمصالح المواطنين والأمن القانوني، وهو ما جعل الحكومة تتعامل مع هذه التحفظات عبر إدخال تعديلات على بعض المواد في القراءة الثانية.
ويتبقى الآن أن يحال مشروع القانون إلى مجلس المستشارين للمناقشة والمصادقة، قبل نشره في الجريدة الرسمية، وبدء العمل به ليكون لبنة جديدة في منظومة العدالة المغربية التي تسعى الحكومة من خلالها إلى تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.