في خضم حالة من الاحتقان المتصاعد داخل البيت النقابي، تتجه الأزمة التي تعصف بالاتحاد العام للشغالين بالمغرب نحو مزيد من التعقيد والانسداد، في ظل إصرار الأطراف المتنازعة على مواقفها، وتنامي الدعوات المطالبة برحيل الأمين العام النعم ميارة كشرط وحيد لتجاوز المأزق الراهن، إذ تشير تطورات المشهد إلى أن الهيئة النقابية باتت على صفيح ساخن، حيث يعزز تيار واسع من الغاضبين حضوره المؤسساتي، في مقابل صمت مطبق من القيادة الحزبية الحاضنة.
وكشفت مصادر متطابقة، أن الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، يقف عند موقف متصلب يحول دون أي تدخل حزبي في محاولة لرأب الصدع الداخلي، وذلك خشية من تداعيات هذا الخلاف على الحضور السياسي للحزب في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وهو ما تراه مصادر استقلالية “حكمة الأمين العام للحزب، من أجل عدم ترجيح كفة على حساب أخرى، وأن موقف بركة يعد حكيما”.
ويرى بركة، حسب ما أوردته المصادر ذاتها، أن الصراع الحالي يدخل في خانة “الشأن النقابي “، وأن تحريك قيادة الحزب لأي مبادرة تهدئة قد يورط ثالث القوى السياسية، في أزمة حقيقية، ويبدو أن هذه المسافة التي يحرص بركة على إبقائها تترجم قلقا عميقا من أن تطال عدوى الاحتقان النقابي بنية الحزب التنظيمية.
في غضون ذلك، تدور في الكواليس مشاورات محمومة بين أطراف وُصفت بـ “الإخوة الأعداء” داخل أروقة الاتحاد، وتركز هذه الاتصالات الخلفية على صياغة مخرج “يحفظ ماء الوجه”، يضمن مغادرة ميارة لمنصب الأمانة العامة دون أن يبدو ذلك في صورة الانقلاب أو الإقصاء المهين. غير أن مهمة إيجاد هذه الصيغة التوافقية تزداد صعوبة مع تصاعد الضغط الميداني والمؤسساتي على الرجل الأول في النقابة.
ولعله من أعمق مفارقات هذه الأزمة أن يتحول حزب الاستقلال، الذي طالما ارتكز في حضوره السياسي على ثقل ذراعه النقابية، إلى متفرج صامت على صراع يهدد بتقويض إحدى أهم ركائز قوته الجماهيرية، وحسب مصادر لـ”بلبريس” يجمع عدد من قادة الحزب، ممن يتحركون في دهاليز صنع القرار، على رفض قاطع لأي مسعى قد يجر التنظيم السياسي إلى مستنقع الخلافات الداخلية للنقابة.
وتستند هذه القناعة حسب مصادرنا، إلى تخوف حقيقي من أن ينعكس التصدع الذي يعصف بالاتحاد العام للشغالين سلبا على صورة “الميزان” في الشارع الانتخابي، خصوصا أن أي انزياح نحو طرف نقابي ضد آخر سيجعل الحزب في مرمى الاتهامات بالمحاباة، وهو ما قد يفقده أصواتا نقابية لا يستهان بها في الاستحقاقات المقبلة. لذلك، يصر هؤلاء القادة على أن الخيار الأمثل هو البقاء على مسافة واحدة من كل الأطراف، في محاولة لتطويق ألسنة اللهيب حتى لا تمتد إلى جسد الحزب وهياكله الميدانية.
وينطلق هذا الموقف الجماعي داخل أروقة القيادة الاستقلالية من قراءة واقعية لديناميات الصراع الانتخابي، حيث يدرك الجميع أن بقاء النقابة موحدة، أو على الأقل “غير مقسمة بشكل علني”، كان دائما ورقة رابحة في معادلة الحشد والتعبئة. أما اليوم، ومع تحول الاتحاد العام إلى ساحة للمواجهة المفتوحة، يخشى هؤلاء القادة من أن أي محاولة وساطة من جانب الحزب قد لا تنجح في رأب الصدع فحسب، بل قد تعمق الجراح وتؤدي إلى نتائج عكسية، كانزياح جزء من القواعد النقابية الغاضبة نحو دعم خصوم “الاستقلال” السياسيين انتقاما من موقف الحزب.
وعليه، يُقرأ الامتناع عن التدخل ليس كتخاذل أو لامبالاة، بل كاستراتيجية دفاعية تهدف إلى تحصين الحزب من عدوى الانهيار التنظيمي، وتوجيه كامل طاقته نحو تدبير المعركة الانتخابية القادمة بعيدا عن أشباح الانقسامات النقابية التي قد تقصم ظهره في اللحظات الحاسمة.
ولعل التحول الأبرز في مسار هذه الأزمة تمثل في إعلان فريق الاتحاد العام للشغالين بمجلس المستشارين التحاقه الرسمي بجبهة المطالبين بعقد مؤتمر استثنائي عاجل. وتكتسي هذه الخطوة أهمية قصوى، فهي لا تقتصر على تعزيز القوة العددية لمعسكر المنتفضين، بل تمنحهم غطاء سياسيا وتشريعيا يضاعف من حصار موقف ميارة ويقلص هامش مناورته بشكل كبير. وتؤكد مصادر عليمة أن حملة جمع التوقيعات اللازمة لعقد المؤتمر قد أحرزت تقدما نوعيا، حيث نجح الخصوم في حشد تأييد ما يزيد عن ثلثي أعضاء المجلس العام للنقابة، فضلا عن نيل دعم نسبة مماثلة داخل أعلى هيئة تنفيذية، أي المكتب الوطني.
وقد تجسد التمرد الداخلي في واقعة ملموسة حين أعلن عدد من أعضاء المكتب التنفيذي مقاطعتهم للاجتماع الدوري الذي كان مرتقبا الأسبوع الماضي، معتبرين أن تلك الخطوة هي بداية مسار تعبوي يرمي إلى عقد دورة استثنائية للمجلس العام، استنادا إلى بنود القانون الأساسي. ويرى هؤلاء أن هذا التحرك يهدف إلى “فرض الشفافية في تدبير المرحلة وترسيخ مبدأ المحاسبة وصون ما تبقى من مصداقية للتنظيم النقابي”.
ولم تقف المطالب عند حد المسطرة الإجرائية لعقد المؤتمر، بل وجه المكتب التنفيذي المتمرد سهام نقده إلى جوهر أداء القيادة الحالية. فقد تضمنت رسالة الاحتجاج الموجهة إلى ميارة استفسارا عن ملابسات تنظيم احتفالية ذكرى التأسيس بشكل انفرادي، وبحضور شخصيات كانت قد وجهت انتقادات لاذعة لقيادة النقابة قبل أيام قليلة فحسب.
وذهبت الرسالة إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ طالبت بكشف النقاب بشكل كامل عن حقيقة الاتهامات المتداولة بشأن “تبديد المال النقابي والتصرف في المقرات العقارية”، وهي اتهامات تؤكد المصادر ذاتها أنها تمت دون عرضها مطلقا على أنظار المجلس العام المختص. كما شددت رسالة المحتجين على ضرورة تقييم الظروف التي أحاطت بأعمال مؤتمر نقابة الجماعات الترابية، وما شاب تلك الأشغال من أحداث ألحقت ضررا بصورة قيادة الاتحاد وهيبتها.
إن تفريغ هذه المعطيات يشي بأن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب يعيش لحظة فارقة قد تعيد رسم خريطة العمل النقابي في البلاد، ففي الوقت الذي يتشبث فيه الحزب الحاضن بموقف المتفرج الحذر، تتقدم الآلة النقابية الداخلية بخطى ثابتة نحو فرض شرعية جديدة، تاركة النعم ميارة في مواجهة جبهة متماسكة من خصومه، الذين يبدو أنهم جمعوا ما يكفي من مفاتيح التغيير المؤسساتي لإسقاط قناع الاستمرارية.