غلاء المحروقات.. هل يتجه المغرب لـ”العمل عن بعد” في الإدارات؟

عاد مقترح “العمل عن بُعد” في الإدارات العمومية إلى واجهة النقاش مجددًا، لكن هذه المرة من بوابة “الأمن الطاقي” وحماية القدرة الشرائية للموظفين أمام الارتفاع المطرد في أسعار المحروقات، وهو ما دفع برلمانية عن فريق الأصالة والمعاصرة إلى توجيه سؤال كتابي إلى وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، مطالبة بمراجعة أنماط الاشتغال التقليدية داخل المرفق العام وتقنين بدائل رقمية تتناسب مع الإكراهات السوسيو-اقتصادية الراهنة.

نقلت النائبة نجوى ككوس، في مراسلتها إلى أمل الفلاح السغروشني، معاناة يومية يعيشها آلاف الموظفين جراء كلفة التنقل إلى مقرات العمل، التي وصفتها بـ”العبء الثقيل” الذي ينهش الأجور، خصوصًا لأولئك الذين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة في الحواضر الكبرى. وشددت على أن الوضعية الحالية للأسواق الطاقية لم تعد تحتمل المقاربات التقليدية، وأصبحت تستوجب حلولًا عملية ومبتكرة.

وأبرزت البرلمانية أن اعتماد صيغة “العمل الهجين” أو التناوب بين الحضور والرقمية، بالنسبة للمهام التي لا تستلزم مكاتب قارة، يمكن أن يساهم بشكل مباشر في خفض الطلب على الوقود، وتقليص الضغط المروري على البنيات الطرقية، إضافة إلى انعكاساته الإيجابية المرتقبة على مردودية الموظف وجودة حياته. وفي وقت يترقب فيه الرأي العام تفاعل الحكومة مع هذه المطالب، استفسرت ككوس عن مدى وجود تصور حكومي لبناء إطار تنظيمي وتحفيزي يؤطر هذا النمط من العمل، بما يضمن حقوق الموظف ويصون جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، متسائلة عن التدابير الاستعجالية التي تعتزم الوزارة الوصية اتخاذها لتعميم هذه التجربة في الإدارات والمقاولات العمومية، كآلية للتخفيف من تداعيات الغلاء التي باتت تؤرق الميزانيات الأسرية وتضغط على الاقتصاد الوطني ككل.

ويعيد هذا المقترح طرح سؤال جوهري حول مدى استعداد الإدارة المغربية لخوض تحول رقمي حقيقي، فتجربة العمل عن بُعد التي فُرضت خلال جائحة كوفيد-19 كشفت بشكل واضح الفجوة الرقمية بين الإدارات المركزية واللاممركزة، كما أظهرت هشاشة البنية التحتية للمعلوماتية في العديد من القطاعات الحيوية. ورغم أن الحكومة سبق أن أطلقت استراتيجية “المغرب الرقمي”، فإن ملف العمل عن بُعد ظل حبيس التنظير دون تفعيل جدي، وهو ما يفسر تحول البرلمانيين إلى استخدام أسلوب الأسئلة الكتابية لإعادة الضغط على السلطة التنفيذية.

واللافت في المقترح الجديد أنه يأتي هذه المرة مُغطى بغطاء “الأمن الطاقي” وليس فقط تحسين ظروف العمل، وهي حجة قد تكون أكثر إقناعًا للحكومة في ظل أزمة المحروقات العالمية وتصاعد فاتورة دعم المواد الطاقية التي تثقل كاهل الموازنة العامة. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل تمتلك الإدارات العمومية اليوم الأدوات القانونية والتقنية والبشرية لتنفيذ هذا النموذج؟ فغياب مدونة واضحة تحدد طبيعة المهام القابلة للرقمنة، وعدم وضوح آليات مراقبة الإنتاجية وتقييم الأداء عن بُعد، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية وأمن المعلومات، كلها عوائق قد تحول دون تجاوز هذا المقترح مرحلة الطموحات إلى أرض التطبيق.

كما أن التجارب المقارنة في دول كفرنسا والإمارات، التي اعتمدت العمل الهجين في قطاعاتها العمومية، تظهر أن النجاح يتطلب استثمارات مسبقة في التكوين والتأطير القانوني، وهو ما لم تتحدث عنه النائبة في مراسلتها، ولا الحكومة في ردودها السابقة. لذلك، يبقى اختبار جدية الحكومة في هذا الملف مرتبطًا بقدرتها على الانتقال من الخطابات العمومية إلى خرائط طريق واضحة المعالم، مع تحديد كلفة التحول الرقمي ومصادر تمويله، بعيدًا عن الارتجال الذي طبع بعض التجارب السابقة. في المحصلة، أعادت أزمة المحروقات إحياء نقاش أعمق حول مستقبل الإدارة المغربية، فإما أن تثبت قدرتها على التكيف مع التحولات الكبرى، أو تظل رهينة أنماط اشتغال لم تعد تتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *